من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٧ - وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا
النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، فهو تقوى الله وخشيته، الذي يتأسس على الإيمان به، والإحساس النفسي برقابته الدائمة والدقيقة لأعمالنا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يعني ليس يعلم الظاهر فقط، وإنما يعلم الباطن أيضا، كالنوايا والدوافع الخفية للإنسان، وكثيرا ما تأتي الإشارة إلى رقابة الله بعد بيان حد، أو قانون، أو نظام لمنع أي محاولة للالتفاف عليه والتملص من المسؤولية، فإن الإنسان مهما استطاع ذلك في مقابل الآخرين (المجتمع، والحاكم الشرعي) فإنه لن يجد إلى ذلك سبيلا أمام الله، لأنه أخبر به حتى من نفسه.
ومن الجدير ذكره هنا أن الكفارة تسقط لو أراد الطلاق بعد الظهار، ولعل البعض يصطنع طلاقا للتهرب من الكفارة المفروضة عليه ثم يعود، إلا أن ذلك لا يسقطها عنه في هذه الحالة، ويحذر الله أحدا أن يتوسل بذلك للاحتيال على شريعته. عن يزيد الكناسي قال: [سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليه السلام عَنْ رَجُلٍ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً فَقَالَ
إِذَا طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً فَقَدْ بَطَلَ الظِّهَارُ وهَدَمَ الطَّلَاقُ الظِّهَارَ،
قَالَ: فَقُلْتُ: فَلَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا؟ قَالَ
نَعَمْ، هِيَ امْرَأَتُهُ فَإِنْ رَاجَعَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ عَلَى المُظَاهِرِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا» [١].
بلى، إذا طلقها عن صدق، أو تزوجت غيره بعد العدة ثم طلقها الغير، فله الرجوع إليها من دون كفارة، حيث انتفى قصد الاحتيال. قال الإمام الصادق عليه السلام
«إِنْ كَانَ إِنَّمَا طَلَّقَهَا لِإِسْقَاطِ الكَفَّارَةِ عَنْهُ ثُمَّ رَاجَعَهَا فَالكَفَّارَةُ لَازِمَةٌ لَهُ أَبَداً إِذَا عَاوَدَ المُجَامَعَةَ، وإِنْ كَانَ طَلَّقَهَا وهُوَ لَا يَنْوِي شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُرَاجِعَ ولَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ» [٢].
وقد نستلهم من الآية بصيرة أخرى: أن الله خبير بالتشريع المناسب لهذه الظاهرة، فهو حينما عالج الظهار فرض تحرير رقبة للكفارة فإن ذلك كان مناسبا لحل المشكلة، إذ إنه الخبير الذي يعلم بمدى خطر الظهار الذي يهدم كيان الأسرة ويفككها، وما يؤدي إليه من المفاسد الفردية والاجتماعية والحضارية، والمرأة الأنصارية (خولة) قد أشارت إلى جانب من تلك المفاسد إذ قالت بحضرة الرسول صلى الله عليه واله: [وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليَّ جاعوا] [٣]، فالأب عنده القدرة المالية لقوتهم ولكنه يفقد القدرة الكافية لتربيتهم، والأم بالعكس.
وهناك ملاحظة نجدها في الآية وهي: أن الله لم يجعل لظهار المرأة أي اعتبار، إنما جعلها مظاهر منها، وقال وَالَّذِينَ يعني الرجال، لأنها أقرب إلى الانفعال، وأسرع تأثرا بعامل
[١] الكافي: ج ٦، ص ١٦١.
[٢] وسائل الشيعة: ج ٢٢، ص ٣١٩.
[٣] التفسير الكبير: ج ٢٩، ص ٢٤٩.