من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧١ - وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور
ابن مسعود: [ما كان بين إسلامنا وبين هذه الآية إلا أربع سنين، فجعل المؤمنون يعاتب بعضهم بعضا] [١]، وقيل: [إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاثة عشر سنة من نزول القرآن بهذه الآية (عن ابن عباس)] [٢]، وقيل: [كانت الصحابة بمكة مجدبين فلما هاجروا وأصابوا الريق والنعمة فتغيروا عما كانوا عليه، فقست قلوبهم، والواجب أن يزدادوا الإيمان واليقين والإخلاص، في طول صحبة الكتاب (عن محمد بن كعب)] [٣]. ومع اختلاف هذه الأقوال إلا إنها تلتقي في نقطة واحدة هي أن يبدو أن الآية جاءت تعالج تحوُّلًا سلبيًّا في حياة الأمة، وهذا يُظهر عناية الله من خلال وحيه ببناء المجتمع المؤمن وتوجيه حركته نحو الحق والأهداف السامية، ولكن الله لا يبدأ العلاج من الظواهر، إنما يوجه الرسول والمؤمنين أنفسهم إلى جذور المشكلة، ألا وهي القلوب التي تغيَّر موقفها من ذكر الله ومن تطبيق الرسالة. لقد كانوا في البدء أمة مؤمنة حقًّا ببركة ذكر الله، وكانوا ملتزمين غاية الالتزام بالحق، يتسابقون إلى تطبيق الرسالة، ويسلمون لما فيها تسليما، أما الآن فقد بدأ الخشوع ينحسر عن قلوبهم، كما صاروا يتباطؤون في تطبيق رسالة ربهم، ويتخلصون عن دعوة قيادتهم إلى الإيمان والإنفاق، وهذا لا ريب إن لم يبادروا إلى علاجه سوف يخرجهم من دائرة المؤمنين. أوليس الله يقول إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٣) أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال: ٢- ٤].
فلماذا إذن لا توجل قلوبهم، ولا يزدادون إيمانا، ولا ينفقون؟!. الإشكال ليس في قلة ذكر الله، ولا في قلة الآيات، ولا في عدم وجود الواعظ، فهذا الرسول يصيح فيهم آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا ويدعوهم للإيمان، والآيات بيِّنة مستفيضة متواصلة يُنزلها الله على عبده ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ولكن الإشكال في قلوبهم المريضة.
ولنا أن نعرف كم ينبغي أن يكون القلب مريضا وقاسيا حتى لا يتأثر بالقرآن إذا تدبرنا في قوله تعالى لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: ٢١]، فلم لا يحرض القرآن المؤمن على الخشوع، والخشوع هو الذي يجعل الإنسان مستعدا للتسليم إلى الحق نفسيًّا، وتطبيقه عمليًّا في الواقع؟.
[١] مجمع البيان: ج ٩، ص ٣٩٤.
[٢] مجمع البيان: ج ٩، ص ٣٩٤.
[٣] مجمع البيان: ج ٩، ص ٣٩٤.