من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٠ - وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور
آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤).
هدى من الآيات
إذا كان المنافقون يتورطون في الضلال والانحراف الذي يستمر معهم حتى النهاية، بسبب نفاقهم ونفوسهم المريضة، فإذا بهم يفتنونها، ويتربصون، ويرتابون، وتغرهم الأماني، ويتسلط عليهم الشيطان، فيصيرون إلى بئس المصير، فإن المؤمنين في خطر آخر متمثل في قسوة القلب بسبب طول الأمد حيث يفقدون جذوة الإيمان ثم ينتهي بهم شيئا فشيئا إلى تحول خطير يلخصه القرآن بكلمة (الفسوق)، أي الانحراف عن الطريق السليم، وبسبب الفسق والخروج عن إطار القيم الربانية والتعاليم القرآنية فإن الدنيا تتزين في أعينهم فيتخذونها لعبا ولهوا وتفاخرا وزينة وتكاثرا في الأموال والأولاد، بدل أن يجعلوها ميدانا للتسابق إلى الخير، ويستبدلونها بالآخرة بدل أن يجعلوها مزرعة للمستقبل، وإذا أصابت أحدهم مصيبة أكدت عنده اليأس والأسف، وإذا أوتي خيرا ونعمة تشبث بالدنيا بصورة أكبر.
ونتيجة لعاملي اليأس وتشبثه بالدنيا تجده يبخل بالإنفاق في سبيل الله، لاعتقاده بأنه لا يغير شيئا أو يضر بدنياه، ولا يكتفي بذلك بل يتسافل دركا آخر إلى الحضيض بمحاربته الإنفاق، ودعوته الآخرين للبخل، وهكذا ينتهي اليأس إلى الفسوق والتولي عن الحق، ويحدث انقلاباً خطيراً وجذريًّا في حياة الإنسان، من الإيمان إلى التولي، كما حدث لأهل الكتاب، الذين بدؤوا بحركة إلهية يتزعمها الأنبياء من أولي العزم وغيرهم، وإيمان صادق مخلص، ثم انتهوا لما طال عليهم الأمد ونخر فيهم اليأس إلى حركة وزعامة فاسقة، وأهداف خبيثة كمحاربة المؤمنين، واستغلال الشعوب وظلمهم.
بينات من الآيات
[١٦- ١٧] كما الشجرة إن سقاها ورعاها صاحبها نمت وأثمرت، وإن تركها ذبلت ويبست، كذلك الإيمان إذا حافظ الإنسان على عوامله تعمَّق وتجذَّر ونما وأثمر، وإلا خبا ضوؤه وصار إلى النقصان، وذكر الله ورسالته هما وسيلة نمو الإيمان في النفس، إذا تساقطت عنها الحجب وخشعت، أما إذا قست وتكلَّست لا تنتفع بالذكر، كما لا تنتفع الشجرة اليابسة بالماء الفرات، ولذلك يحذِّر الله المؤمنين من قسوة القلب، ويعاتبهم على عدم خشوعهم لذكره وللحق، فيقول* أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِ قال