من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٢ - إن هذا لهو حق اليقين
وَإِنَّمَا أَرَادَ اللهُ بِتَعْمِيَتِهِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَنْتَهُوا إِلَى بَابِهِ وَصِرَاطِهِ وَأَنْ يَعْبُدُوهُ وَيَنْتَهُوا فِي قَوْلِهِ إِلَى طَاعَةِ القُوَّامِ بِكِتَابِهِ وَالنَّاطِقِينَ عَنْ أَمْرِهِ وَأَنْ يَسْتَنْبِطُوا مَا احْتَاجُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَنْهُمْ لَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ ثُمَّ قَالَ
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
فَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَلَيْسَ يُعْلَمُ ذَلِكَ أَبَداً وَلَا يُوجَدُ وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ الخَلْقُ كُلُّهُمْ وُلَاةَ الأَمْرِ إِذاً لَا يَجِدُونَ مَنْ يَأْتَمِرُونَ عَلَيْهِ وَلَا مَنْ يُبَلِّغُونَهُ أَمْرَ الله وَنَهْيَهُ فَجَعَلَ اللهُ الوُلَاةَ خَوَاصَّ لِيَقْتَدِيَ بِهِمْ مَنْ لَمْ يَخْصُصْهُمْ بِذَلِكَ فَافْهَمْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ.
وَإِيَّاكَ وَتِلَاوَةَ القُرْآنِ بِرَأْيِكَ فَإِنَّ النَّاسَ غَيْرُ مُشْتَرِكِينَ فِي عِلْمِهِ كَاشْتِرَاكِهِمْ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الأُمُورِ وَلَا قَادِرِينَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى تَأْوِيلِهِ إِلَّا مِنْ حَدِّهِ وَ بَابِهِ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ لَهُ فَافْهَمْ إِنْ شَاءَ اللهُ وَاطْلُبِ الأَمْرَ مِنْ مَكَانِهِ تَجِدْهُ إِنْ شَاءَ اللهُ» [١].
[٨٠- ٨١- ٨٢] وإنما يقصر غير المطهرين عن مسه ولا يجوز لهم ذلك لأنه كلام الله رب العالمين. تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وقد تجلى الرب فيه بأسمائه، وآياته، ورسالاته، وشرائعه، وكتاب هذا شأنه يحجب عنه من اتَّبع هواه، وتمكَّنت الشهوات من قلبه، لأن معرفة الله معراج القلب إليه، وحضور النفس في مقامه الأعلى، فكيف يسمح لمن تراكمت عقد الذنوب على قلبه بذلك؟!، حاشا بذي العرش أن يسمو إلى مقام كلامه الذين أخلدوا إلى الأرض واتبعوا أهواءهم!.
أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ إنه حديث عظيم لا بد من أخذه بقوة وعزم، والاستقامة عليه في مواجهة الضغوط. أما اللين في أمره، والاستسلام للضغوط بالإعراض عنه، فهو لا يتناسب وعظمة القرآن. وهذا المعنى هو المفهوم من مختلف الآراء في تفسير المدهن، قالوا: [مكذبون]، وقالوا: [منافقون]، وقال بعضهم: [ممالقون الكفار على الكفر به]، وقال آخر: [المدهن الذي لا يعقل ما حقُّ الله عليه ويدفعه بالعلل]، وقال بعض اللغويين: [مدهنون تاركون للجزم في قبول القرآن] [٢]. وقال آية الله العظمى الشيرازي (قدس سره): [متهاونون، كمن يدهن في الأمر أي يلين جانبه تهاونا، وأصله استعمال الدهن للين الجسم] [٣]، ومنه قول الله إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلا تُطِعْ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ [القلم: ٧- ١٠].
ونستفيد من الآية أنه لا يجوز لأحد التهاون في أحكام القرآن في أي حال، ولأي سبب،
[١] بحار الأنوار: ج ٨٩، ص ١٠٠- ١٠١.
[٢] تفسير القرطبي: ج ١٧، ص ٢٢٨.
[٣] تقريب القرآن للأذهان: المجلد ٥، ج ٢٧، ص ٣٢١.