من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٤ - إن هذا لهو حق اليقين
وروي عن ابن عباس قال: مُطِرَ الناس على عهد النبي صلى الله عليه واله فقال النبي صلى الله عليه واله
«أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ، قَالُوا: هَذِهِ رَحْمَةٌ وَضَعَهَا اللهُ، وَقَالَ بَعْضُهُم: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا فَنَزَلتْ هَذِهِ الآَيةُ
فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ
حَتَّى يَبْلُغُ
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ] [١] أي تجعلون رزقكم أنكم تكذبون بالله، وتصدقون بالأنواء.
[٨٣- ٨٧] ويعالج القرآن الانحراف الذي يقع الإنسان فيه بالشرك، سواء الصريح منه كالاعتقاد بالأنواء، أو المبطن كالاسترزاق والمداهنة اللذين هما من ألوان الشرك، حيث يساوم الإنسان بالحق، ويتنازل عنه إلى الباطل، أو يكذب به استجابة لعوامل معينة داخلية أو خارجية، يعالج هذا وذاك بوضعه أمام الموت الواقعة الصغرى التي هي أخطر وأصعب وأحسم حوادث الدنيا، فهو حينئذ لا ينفعه شيء ولا شخص، ويأتي التأكيد على هذين الأمرين لأن مداهنة الإنسان بالحق وتكذيبه به وشركه ينطلق من كفره بالآخرة والحساب، واعتماده على الآخرين.
فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ يعني النفس عند الأجل، وبلوغها الحلقوم كناية عن قرب خروجها، بل هي حقيقة يعاينها كل من حل أجله. أما الجالسون حول المنازع للموت فإنهم لا يرون من الأمر إلا ظاهر صاحبهم، إذ يلف ساقا بساق، ويقبض يدا ويبسط أخرى وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ بأعينكم إليه لا تستطيعون إلا التسليم للواقع، في حين تستل رسل الله روحه على أقرب من حبل الوريد وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ كما أنهم إذا صاروا إلى مثل أمر من ماتوا سيدركون بيقين ويرون رسل الموت بأبصارهم وبصائرهم، وإنما يدعونا ربنا إلى الاتعاظ بمن يمضون قبل أن نكون بأنفسنا الموعظة، والإمام علي عليه السلام يؤكد لنا هذه الحقيقة إذ يقول
«فَإِنَّكُمْ لَوْ قَدْ عَايَنْتُمْ مَا قَدْ عَايَنَ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ لَجَزِعْتُمْ ووَهِلْتُمْ وسَمِعْتُمْ وأَطَعْتُمْ، ولَكِنْ مَحْجُوبٌ عَنْكُمْ مَا قَدْ عَايَنُوا، وقَرِيبٌ مَا يُطْرَحُ الحِجَابُ، ولَقَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ وأُسْمِعْتُمْ إِنْ سَمِعْتُمْ وهُدِيتُمْ، إِنِ اهْتَدَيْتُمْ وبِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ: لَقَدْ جَاهَرَتْكُمُ العِبَرُ وزُجِرْتُمْ بِمَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ومَا يُبَلِّغُ عَنِ الله بَعْدَ رُسُلِ السَّمَاءِ إِلَّا البَشَرُ» [٢].
ومن دقيق عبارة القرآن أنه لا يقول هنا: (ولكن لا تنظرون)، لأن ما يريد بيانه عمى البصيرة وليس البصر وحسب، فالمؤمنون الموقنون لا يرون الملائكة بأعينهم إذا قضى أحد نحبه على مقربة منهم، ولكنهم لا شك يدركون الموت، ويسلِّمون لهذا الحق، كتسليمهم بكل الحقائق الأخرى، ويبصرون بقلوبهم حتى ملائكة الله.
[١] بحار الأنوار: ج ٥٥، ص ٣٢٧.
[٢] بحار الأنوار: ج ٣٩، ص ٢٤٤.