من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢ - إن عذاب ربك لواقع
مع المحيط، أو خوفا من سلطان، أو لأهداف مصلحية، فهل يكون عمله مقبولا عند الله؟.
إن الانتماء الحقيقي للصالحين ليس بالنسب والحسب، ولا بالانضمام إلى تجمعهم، إنما بالعمل الخالص لوجه الله.
يقول تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ [العنكبوت: ٩]، والقرآن يضرب أمثلة هذه الحقيقة من تاريخ أقرب العباد إليه وهم الأنبياء، يقول تعالى فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ [هود: ٤٦]. وقال ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم: ١٠- ١١].
بلى؛ إن الانتماء النسبي إلى المقربين والصالحين يزيد ذريتهم شرفا، ويضاعف لهم الجزاء، إكراما لآبائهم، وإكمالا للنعم عليهم، فلعل واحدا من الذرية لا ينهض به عمله ليبلغ درجة آبائه هنالك قد تدركه شفاعتهم فيلتحق بهم بدعائهم ليجتمع شمل الأسرة في مقام أمين، ولعل تتمة الآية تدل على ذلك حين يقول ربنا وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ فما ينقص الله من أعمال الأولين شيئا حين يلحق الآخرين بهم إكراما لهم.
كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ وكون الإنسان مرهونا بما كسب دليل على أن شفاعة الصالحين لذراريهم التي تهدي إليها هذه الآية ليست بعيدة عن سنة الجزاء، فهم إن لم يتبعوا آباءهم لم يدخلوا معهم الجنة. ولعلنا نجد انعكاسا وتفسيرا لهذه الآية في الحديث المروي عن الرسول صلى الله عليه واله إذ قال
«مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَ أَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ»
[١] فالآباء يضاعف لهم الجزاء لأنهم ساهموا في هدايتهم إلى ربهم.
ومن هذه الآية نهتدي إلى أن القرآن يعارض صراع الأجيال، بل ويسعى لامتصاص هذا الصراع وتحويله إلى صلة الحب والتعاون والتكامل، فهو يرسم للجيل السابق شعارا تجاه اللاحقين هو قوله تعالى وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: ٩]، كما يرسم شعارا للجيل الصاعد تجاه السابقين فيقول وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ
[١] الكافي: ج ٥، ص ٩.