من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٠ - هذا نزلهم يوم الدين
بملائكة الحسنات لكثرة الصالحات عندهم، فهم لا يبرحون يصلونهم بها بين الحين والآخر، فيصحبهم أولئك الملائكة عند الحساب، يُبيِّنون حسناتهم، ويشفعون لهم عند الله. ومن كانت هذه صفته فإنه يصير إلى منزلة عظيمة من الجزاء والرضوان عند الله.
فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ يعني منزوع الشوك، مما يجعل قطف ثماره خاليا من الأذى والمشقة، والمخضود: مَثْني الأغصان من غير كسر (أيضا) إشارة إلى كثرة ثمارها وورقها اللذين يثقلان الغصن فيثنيانه، والسدر: شجر النبق (الكنار) [١]، وله فوائد جمة منها: ثمره، وظله، ومنظره الجميل. جاء في الحديث عن سليم بن عامر قال: [كان أصحاب النبي صلى الله عليه واله يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم، قال: أقبل أعرابي يوما فقال: يا رسول الله! لقد ذكر الله في القرآن شجرة مؤذية، وما أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟ قال رسول الله
وَمَا هِيَ؟
قال: السدر فإن له شوكا مؤذيا؟ فقال صلى الله عليه واله
أَوَلَيْسَ يَقُولُ
فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ؟
خَضَدِ اللهُ شَوْكَهُ فَجَعَلَ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةً، فَإِنَّهَا تُنْبِتُ ثَمَراً يَفْتُقُ الثَّمَرُ مِنْهَا عَنْ اثْنَينِ وَسَبْعَينَ لَوْناً مِنَ الطَّعَامِ مَا فِيْهِ لَوْنٌ يُشْبِهُ الآَخَرَ»
[٢] وقال سعيد بن جبير: [ثمرها أعظم من التلال] [٣]. والحرف فِي يفيد الإحاطة والدوام، فهم محاطون بما يذكر من النعم.
وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ أي: [متسق منظم مضموم بعضه إلى بعض، وتنضدت الأسنان تراصفت] [٤]، وعن الإمام الصادق عليه السلام قال
«بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ»
[٥] وقال تعالى وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ [ق: ١٠]، متسق، واختُلف في الطلح على أقوال أشهرها وأقربها أنه الموز، وهو من ألذ الفواكه وأشهاها.
وَظِلٍّ مَمْدُودٍ أي دائم متصل واسع، وقال تعالى* مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا [الرعد: ٣٥]. وفي حديث آخر عن الرسولصلى الله عليه واله قال: [وَظِلٍّ مَمْدُودٍ
فِي مِثْلِ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ»
[٦] وفي الخبر
«أنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ في ظِلِّهَا مِائَةِ سَنَةٍ لَا يَقْطَعُهَا اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُم
وَظِلٍّ مَمْدُودٍ] [٧] وكان الظل يعني شيئا كثيرا في محيط الجزيرة العربية حيث يتعرض الناس عادة لأشعة الشمس الحارقة.
[١] قال صاحب المنجد: الكنار النبق (بالعامية والفارسية).
[٢] تفسير القرطبي: ج ١٧، ص ٢٠٧.
[٣] تفسير القرطبي: ج ١٧، ص ٢٠٧.
[٤] المنجد: مادة نضد.
[٥] نور الثقلين: ج ٥، ص ٢١٥.
[٦] الكافي: ج ٨، ص ٩٩.
[٧] بحار الأنوار: ج ٨، ص ١٠٩.