من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٠ - ولمن خاف مقام ربه جنتان
أن ذلك مما تتطلع إليه كل أنثى. قال الإمام الصادق عليه السلام
«الخَيْرَاتُ الحِسَانُ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الدُّنْيَا وهُنَّ أَجْمَلُ مِنَ الحُورِ العِينِ» [١].
ومعنى قوله لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌ أنهن في الجنة يرجعن أبكارا على الدوام، بحيث إذا جاءهن أترابهن من المتقين وجدوهن أبكارا، لم يسبقهم أحد إليهن، أو أن المعنى، بالطمث المحرم، فهن بعيدات عن ذلك، ولم يتورطن فيه ماديًّا ولا معنويًّا، فهن من الزوجات التي وُعِدَ المتقون وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ [آل عمران: ١٥]، كما تشمل الآية قاصرات الطرف من الحور اللواتي يخلقهن الله للمتقين خصوصا، ولكن المعنى قد يكون: أنهن قصرن أنظارهن عن غير أزواجهن، وأن عدم الطمث يكون مطلقا، فهن أبكار في الجنة ولم يقضُّ بكارتهن أحد قبلهم.
وبالعودة إلى أول الآية، ومقارنتها بالآيات السابقة (٤٨- ٥٠- ٥٢) نجد الخطاب بالتثنية ذَوَاتَآ، فِيهِمَا عطفا على الجنتين، ولكنه هنا جاء بصيغة الجمع فِيهِنَ وذلك إما وصلا بالحديث عن الفرش وهو قريب، حيث يجلس المؤمنون معهن عليها، قال تعالى مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ [الطور: ٢٠]، وقال هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ [يس: ٥٦- ٥٧]، وهذا العطف يشبه وصله الآية (٥٨) بالآية (٥٦)، وأما يكون المعنى: أن في الجنتين المذكورتين- وهما الأساس- جنات كثيرة في كل واحدة قصورها وحورها الخاصة بها، وقال بعض المفسرين: إن ذلك متصل بالآية السابقة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ باعتبار الحور شيئا من تلك الآلاء، وإن رحمة الله تحيط بالإنسان من كل جانب، وهي تمتد إلى الآخرة وتتسع هناك- في الجنة- للمؤمنين، بما لا يقاس بالدنيا، ففي الجنة التجلي الأعظم لاسم الرحمن، حيث النعم المتميزة كمًّا ونوعاً، وإذا كانت رحمته تعالى تشمل المحسن والمسيء في الدنيا فهي هناك للمؤمنين وحدهم، لأن الآخرة دار الفصل.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ بلى؛ أنتم يا معشر الجن والإنس قد تكذبون بآيات الله، وتكفرون بنعمه، ولكنها تظل تتوالى عليكم، وربما زادها الله ليزداد المكذب إثما، فلا يبقى ثمة حظ له في الآخرة، ولا نصيب من رحمة الله وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٣٢- ٣٥]، وما قيمة حطام
[١] من لا يحضره الفقيه: ج ٣، ص ٤٦٩.