من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٤ - ولمن خاف مقام ربه جنتان
وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [النساء: ١٣]. وقوله جَنَّتَانِ يخص بالذكر اثنتين تتميزان عن سائر الجنات، وهما جنة عدن وجنة الفردوس، أو جنة عدن والنعيم، أو هي الخلد والمأوى فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.
بعد بيان مقام الخائفين من مقام ربهم يطرح القرآن هذا التساؤل، ربما ليقول لنا: أن السبل مشرعة للجميع لو أرادوا الوصول إلى هذه المنزلة الرفيعة، لأن الله لم يجعلها حكرا على أحد، ولكن يشترط ألَّا يُكذِّب بآلاء ربه، فذلك يحرمه منها.
[٤٨- ٤٩] ويشوقنا الوحي إلى تلكما الجنتين، إذ يرينا صوراً رائعة عنهما ويكتسب التشويق أهميته من كونه إذا تفاعل معه السامع، وصدق به، يتحول إلى ما يشبه الوقوف في داخل الإنسان، يدفعه بفاعلية قوية وعميقة إلى العمل على تحقيق الغاية المطلوبة منه.
والبشر يخشى الإجرام ويتجنبه مرة لأنه يؤدي إلى جهنم، ومرة لأنه يخسر الإنسان قربه من ربه وثوابه الجزيل.
ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ إشارة إلى صفتين لتينك الجنتين، إحداهما: كثرة الأغصان، والعرب تقول للغصن: فنن وجمعه أفنان، وهي لا شك تدخل على النفس البهجة والسرور، بالنظر إلى خضرتها وكثافتها، وكثرة الأغصان تدل على نوع معين من الأشجار غير ذات السوق كالنخل، والشجر تلك تكون أكثر استيعابا للثمر، كما أنها تُلقي بظلها على الأرض ليجد المؤمنون لذة الجلوس في الظلال مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا [الإنسان: ١٢- ١٤]، هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ [يس: ٥٦]، والصفة الثانية: التنوع، قال صاحب المنجد: [أفنان، وفنون، وأفانين: الضرب من الشيء أو النوع] [١].
ويعود السياق هنا- وبعد ذكر كل نعمة في الجنة- ليُشفي قلوبنا من داء التكذيب بآلاء الله، وهذا هو طبيعة منهج القرآن: أنه لا يجعل الحديث عن المستقبل الغائب مجردا وبعيدا عن واقعنا، بل يصله بنا، ويسعى من خلال ذكره إلى علاج مشاكلنا، ودفعنا باتجاه إيمان ومعرفة أكثر وأعمق، وهو في هذا المورد يريد القول: أن ذلك النعيم نتيجة شكر نعيم الدنيا فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.
ويصرح القرآن بهذه الحقيقة بعد حديث مفصل عن الجنة في سورة الإنسان قائلا إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً [الإنسان: ٢٢]، بل هي التجلي الأعظم لقول الله
[١] راجع معنى (فنن) المنجد.