من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٩ - ولمن خاف مقام ربه جنتان
ليست قطعة واحدة، بل عدة قطع منشقة عن بعضها، ذات صبغة حمراء أو لون آخر، يجمعها الأصل، ولأن السماء (السقف المرفوع) هي رمز الأمن والسلام، فإن انشقاقها يؤذن بالأخطار والخوف، ولهذه الآية اتصال وثيق بالآية [٣٥: الرحمن] يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ ذلك أن الغلاف الجوي- أحد طبقات السماء- هو الذي يمنع عنا النيازك والغازات الحارقة، ولو حدث- لا سمح الله- أن انشق فإن الأرض ستكون عرضة لتلك الأخطار، ويقول العلماء: لو فتحت ثغرة في الغلاف الواقي- لنفترض مثلا بمساحة كيلو متر مربع واحد- فإن الأرض تحته لا تصلح للحياة أبدا .. لما ينهال عليها من خلال تلك الثغرة من أشعة ضارة أو نيازك حارقة مدمرة.
وهل لنا أن نفهم من هذه الحقيقة العلمية شيئا بسيطا عن طبيعة الحياة حينما تنفطر السماوات السبع وتستحيل لهبا ومهلا؟!.
إن أحدا لا يملك يومئذ أن يكذب بهذه الآية من آيات الله، والتي تُظهر هيمنته، وضرورة التسليم له- وهو لو شاء لجعلنا نصدق بآلائه وآياته بالقوة- وهو القائل طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ [الشعراء: ١- ٤].
ولكن رحمته تأبى ذلك كما أن حكمته من خلقنا في الحياة الدنيا والتي صرح بها بقوله الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: ٢]، لا تتفق مع هذا النهج فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.
[٣٩- ٤٠] بلى؛ إن أحدا لن يجرؤ حينها على التكذيب أبدا، بل يخضع الجميع خضوعا مطلقا للحق فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [القمر: ٦- ٨]، ولا يجرأ أحد حتى على الكلام، إلا بعد إذن سبق من الله يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [هود: ١٠٥]، فكيف يستطيع أحد أن يكذب ربه ذلك اليوم؟! بلى؛ قد يؤخر العذاب عنهم في الدنيا فيجدون فرصة للتكذيب، والتبرير، وإخفاء ذنوبهم. أما يوم القيامة فهو- سبحانه- محيط بهم من كل جانب فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌ ويكفي بهذا رادعا لنا عن المعاصي، والتكذيب بالنعم والآيات، الذي هو من أكبر الذنوب فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.
[٤١- ٤٢] إن المحاكم في الدنيا تقام من أجل معرفة المجرم، أما في الآخرة فهي تقام