من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٤ - الرحمن علم القرآن
حينما تحمل وتلد، قال تعالى وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ [فصلت: ٤٧]، ولولاها لانعدم الثمر، وانقرض النخل بمرور الزمن حين تتوقف دورته الحياتية. إذا فهي أظهر لرحمة الله من كل شيء في النخل.
وكما النخل كذلك مختلف الحبوب كالحنطة والأرز والشعير حيث يتجلى فيها اسم الرحمن، فهي ذاتها ينتفع بها الإنسان غذاء يحتوي على ما يحتاجه، كما يستفيد من حطامها كالأعواد والقشرة والورق بعد الحصاد وقبله في أغراض عديدة كالبناء، كما يقدمها علفا للحيوان، وهو عصف الحب.
وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ قال الراغب: [العصف والعصيفة الذي يعصف من الزرع، ويقال لحطام النبت المتكسر عصف، قال تعالى وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ، كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ، رِيحٌ عَاصِفٌ] [١].
وَالرَّيْحَانُ الرائحة الطيبة الزكية، وسمي به نوع من الورد، ويقال لكل نبات طيب الرائحة، فتلك نعمة تلبِّي الحاجات المادية للإنسان، وهذه تلبي حاجة معنوية بشمها، وإضافة طيبها إلى الأكل والشراب ليضفي عليهما نكهة خاصة.
[١٣] هكذا تحيط نعم الله وآياته بنا، وأخرى كثيرة يتعرض السياق لذكرها فيما بعد، ولكنه قبل ذلك يستوقفنا بآية محورية في السورة ليطرح علينا من خلالها أهم سؤال يجب أن نطرحه على أنفسنا ونحن نرى آلاء الله.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ إنها من الكثرة والوضوح بما لا يجد أحد سبيلًا لإنكارها، لنقف ساعة تفكُّر. كم هي نعم الله علينا؟ كل ذرة في كياننا وفي المحيط من حولنا هي نعمة من الله، وكل لحظة نمارس فيها الحياة هي الأخرى نعمة. ولو أننا صيَّرنا أغصان الشجر أقلاماً والورق كُتباً، والبحار مداداً، فإننا لا نزال عاجزين عن إحصائها، وربنا إذ يكرر هذه الآية الكريمة بعد كل مقطع يشتمل على ذكر لشيء من آلائه، فإنما ليؤكد لنا أن ما ذُكِرَ هو شيء بسيط من النعم الكثيرة، كما في قوله عز وجل اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: ٣٢- ٣٤].
[١] مفردات غريب القرآن: ص ٣٣٦ مادة: (عصف).