إثبات الهداة بالنصوص و المعجزات - الشيخ حرّ العاملي - الصفحة ٢٢١ - الفصل الرابع عشر
و إحراق جسدي، قال فأعطيته الأيمان المغلظة أني لا أفشيه عنه أبدا فلما سمع ذلك مني قال: اعلم أن هذه اللفظة اسم نبي الإسلام فأعطاني مفتاح تلك البيت و قال افتح بابه و فيه صندوق فيه كتابان أحضرهما عندي فلما أحضرت الكتابين و هما بالخط اليوناني و السرياني كان تاريخ كتابتهما قبل ظهور الإسلام فإذا فيهما معنى «فارقليط» و أنه أحمد و محمد، فقال القسيس: لم يكن أي اختلاف بين علماء المسيحية المترجمين للإنجيل قبل ظهور الإسلام في معناه ذلك و لكن القسيسين بعد الإسلام غيروها و حرفوها لحفظ رئاستهم و مقامهم عند النصارى و ترجموها بما لا يرضى به صاحب الإنجيل.
و يشهد لصحة هذا المعنى و كون المراد من هذه الكلمة هو نبي الإسلام قرائن موجودة في هذه الآيات:
الأولى: أن عيسى أمر الحواريين بالإيمان بفارقليط، فلو كان المراد به روح القدس الذي فسروها به في الأزمنة المتأخرة فالحواريون كانوا مؤمنين به فلا يصح أمرهم بالإيمان به فالمراد به من يأبى النصارى عن الإيمان به و يحتاج إلى تأكيد المسيح بالإيمان به.
الثانية: أن عيسى (ع) قال: أنه إن لم أنطلق لا يأتيكم، فالمراد به ليس روح القدس لأنه قد أتى في حياة عيسى و قبلها و لم يكن إتيانه مشروطا و معلقا على ذهاب عيسى و انطلاقه فإن من البديهي أنه نزل على عيسى و على غيره من الأنبياء السابقة عليه.
الثالثة: أن المراد به من يكون أفيد و أنفع من عيسى و خيرا منه للناس، لأن عيسى قال: أقول لكم الحق إنه خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم الفارقليط، فالمراد به من يكون شرعه أنفع و أجمع من شرعه و هو نبي الإسلام ٦.
الرابعة: قال عيسى: أنه متى جاء يرشدكم إلى جميع الحق، فالمراد به من تكون شريعته كاملة و جامعة على جميع سبل الحق و هي شريعة الإسلام لا محالة.
الخامسة: أن عيسى قال في «الاصحاح ١٤، الآية ١٦ من هذا الإنجيل»: و أنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليط آخر ليمكث معكم إلى الأبد، فالمراد به نبي آخر مثله تدوم شريعته إلى الأبد حيث وصفه بآخر بالنسبة إلى نفسه و قال ليمكث معكم إلى الأبد.
السادسة: يستفاد من قوله «إن لم أنطلق لا يأتيكم» أن فارقليط نبي، صاحب الشريعة، حيث لا يجوز اجتماع نبيين كل واحد منهما ذو شريعة مستقلة.
السابعة: يستفاد من قوله «فهو يشهد لي» أنه نبي يشهد برسالة عيسى و هو نبي الإسلام المبعوث بعد عيسى الذي شهد بنبوة عيسى و صدقه.
الثامنة: يستفاد من قوله «إنه يأخذ مما لي و يخبركم» أن المراد به هو النبي لا محالة و ليس روح القدس قطعا لأن روح القدس عند النصارى هو اللّه، و لا يأخذ اللّه من غيره بل غيره يأخذ عنه.
التاسعة: أنه قال: «هو روح الحق الذي جاء من عند الأب» فالمراد به نبي مبعوث من عند اللّه بعد عيسى و هو نبي الإسلام.
العاشرة: قال عيسى: «أنّه لا يتكلم بشيء من عند نفسه بل كل ما يتكلم يسمع به» فالمراد به النبي لا روح القدس الذي تدعي النصارى أنه اللّه.
الحادي عشر: أن عيسى قال: «إن لي أمورا كثيرة أيضا لا أقول لكم و لكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن؛ و أما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق» فيستفاد منه أن فارقليط إنما يجيء بعد أن تستطيع أفراد البشر أن يحتملوا الرشاد إلى جميع الحق فالمراد به النبي الذي انتهى تكامل الشرائع إلى شريعتها بعد بلوغ نسل البشر إلى حد يستطيع تحملها.
و هو نبي الإسلام.
هذا، و قد نطق القرآن الكريم بأن جماعة من اليهود و النصارى قد آمنوا برسالة محمد ٦ حيث وجدوه مكتوبا عندهم في التوراة و الإنجيل.
ففي سورة الأعراف الآية ١٥٧: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ الآية، و قد تواتر أنه قد آمن كثيرون من اليهود و النصارى في عصر نزول القرآن و بعده، و لو لم تكن هذه البشارة في التوراة و الإنجيل لبادروا إلى تكذيب القرآن و لم يؤمنوا به، هذا ما وسعه المجال من التوضيح في هذا المقام.