إثبات الهداة بالنصوص و المعجزات - الشيخ حرّ العاملي - الصفحة ١٢٨ - الفصل الثالث
محمد بن قتيبة النيسابوري قال حدثنا الفضل بن شاذان النيسابوري عن الرضا ٧ قال: و حدثنا جعفر بن نعيم بن شاذان عن عمه محمد بن شاذان عن الفضل بن شاذان عن الرضا ٧ في حديث العلل: قال: فإن قيل: فلم وجب عليهم معرفة الرسل و الإقرار بهم و الإذعان لهم بالطاعة؟
قيل: لأنه لما لم يكن في خلقهم و قواهم ما يكملون به لمصالحهم، و كان الصانع متعاليا عن أن يرى، و كان ضعفهم و عجزهم عن إدراكه ظاهرا، لم يكن لهم بدّ من رسول بينهم و بينه معصوم يؤدي إليهم أمره و نهيه و أدبه، و يوقفهم على ما به إحراز منافعهم، إذ لم يكن في خلقه ما يعرفون به ما يحتاجون إليه من منافعهم، فلو لم يجب عليهم معرفته و طاعته لم يكن لهم في مجيء الرسل منفعة و لا حاجة، و لكان يكون إتيانه عبثا لغير منفعة و لا صلاح، و ليس هذا من صفة الحكيم الذي أتقن كل شيء.
فإن قيل: فلم جعل أولي الأمر و أمر بطاعتهم؟
قيل: لعلل كثيرة منها: (١) أن الخلق لما وقفوا على حد محدود و أمروا أن لا يتعدوا ذلك الحد لما فيه من فسادهم، لم يكن يثبت ذلك و لا يقوم إلا بأن يجعل عليهم فيه أمين يمنعهم من التعدي و الدخول فيما حظر عليهم، لأنه لو لم يكن كذلك لكان أحد لا يترك لذته و منفعته لفساد غيره، فجعل لهم قيما يمنعهم من الفساد، و يقيم الحدود و الأحكام.
و منها: (٢) إنا لا نجد فرقة من الفرق و لا ملة من الملل بقوا و عاشوا إلا بقيّم و رئيس، لما لا بد لهم منه من أمر الدين و الدنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق مما لا بد لهم منه و لا قوام لهم إلا به، فيقاتلون به عدوهم و يقسمون به فيئهم، و يقيم لهم جمعتهم و جماعتهم، و يمنع ظالمهم عن مظلومهم.
و منها: (٣) أنه لو لم يجعل لهم إماما قيما أمينا حافظا مستودعا؛ لدرست الملة و ذهب الدين و غيرت السنن و الأحكام، و لزاد فيه المبتدعون و نقص منه الملحدون و شبهوا ذلك على المسلمين، لأنا قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين مع اختلافهم و اختلاف أحوالهم، و تشتت أنحائهم، فلو لم يجعل لهم قيما حافظا لما جاء به الرسول لفسدوا على نحو ما بيّنا، و غيرت الشرائع و السنن و الأحكام و الإيمان و كان في ذلك فساد الخلق أجمعين.