إثبات الهداة بالنصوص و المعجزات - الشيخ حرّ العاملي - الصفحة ١٢٩ - الفصل الثالث
فإن قيل: فلم لا يجوز أن يكون في الأرض إمامان في وقت واحد و أكثر من ذلك؟
قيل: لعلل كثيرة منها: (١) أن الواحد لا يختلف فعله و تدبيره، و الاثنان لا يتفق فعلهما و تدبيرهما، و ذلك أنّا لم نجد اثنين إلا مختلفي [الفهم] و الهمم و الإرادة، و إذا كانا اثنين ثم اختلف هممهما و تدبيرهما و إرادتهما و كانا كلاهما مفترضي الطاعة من صاحبه، و كان يكون في ذلك اختلاف الخلق و التشاجر و الفساد، ثم لا يكون أحدهما إلا و هو عاص للآخر، فتعم المعصية أهل الأرض، ثم لا يكون لهما مع ذلك السبيل إلى الطاعة و الإيمان، فيكونون إنما أتوا في ذلك من قبل الصانع الذي وضع لهم باب الاختلاف و التشاجر و الفساد، إذ أمرهم باتباع المختلفين.
و منها: (٢) أنهما لو كانا إمامين لكان لكل من الخصمين أن يدعو إلى غير الذي يدعو إليه صاحبه في الحكومة؛ ثم لا يكون أحدهما أولى بأن يتبع صاحبه فتبطل الحقوق و الأحكام و الحدود.
و منها: (٣) أن لا يكون واحد من الحجتين أولى بالمنطق و الحكم و الأمر و النهي من الآخر، و لو كان هذا كذلك وجب عليهما أن يبتدئا بالكلام، و ليس لأحدهما أن يسبق صاحبه بشيء إذا كانا في الإمامة شرعا سواء، فإن جاز لأحدهما السكوت بطلت الحقوق و الأحكام، و عطلت الحدود، و صار الناس كلهم لا إمام لهم.
فإن قيل: فلم لا يجوز أن يكون الإمام من غير جنس الرسول؟
قيل لعلل منها: (١) أنه لما كان الإمام المفترض الطاعة لم يكن بد من دلالة تدل عليه، و تميزه من غيره و هي القرابة المشهورة، و الوصية الظاهرة ليعرف من غيره و يهتدى إليه بعينه.
و منها: (٢) أنه لو جاز في غير جنس الرسول لكان قد فضل من ليس برسول على الرسل، إذ جعل أولاد الرسول أتباعا لأولاد أعدائهم كأبي جهل و ابن أبي معيط لأنه قد يجوز بزعمهم أن ينقل ذلك في أولادهم إذا كانوا مؤمنين، فيصير أولاد الرسول تابعين لأولاد أعداء اللّه، و أعداء رسوله ٦ متبوعين، فكان الرسول أولى بهذه و أحق من غيره.
و منها: (٣) أن الخلق إذا أقرّوا للرسول بالرسالة و أذعنوا له بالطاعة لم يتكبر