مقاتل الطالبيين - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٩٥ - ٦٢-أحمد بن عيسى بن زيد
قال: و جاء ابن الكردية هذا إلى البصرة ففعل ما فعله بالكوفة، و جعل يفرق الأموال في الشيعة حتى ذكروا له حاضرا و أحمد بن عيسى، فتغافل عنهم، ثم أعادوا ذكره بعد ذلك فتعرض لهم بذكره و لم يستقصه، ثم عاودوه فقال لهم: إني أحب أن ألقى هذا الرجل، فقالوا له: لا سبيل إلى ذلك. قال: فاحملوا إليه مالا يستعين به، و أعلموه أني لو قدرت على أن أعطيه جميع مال السلطان لفعلت، فأخذوا المال و حملوه إلى حاضر فقبله، و جعل ابن الكردية يتابع الأموال إلى حاضر بعضها ببعض حتى أنسوا به و اطمأنوا إليه، فقال لهم يوما: ألا يجيئنا هذا الشيخ؟ فقالوا له: لا يمكن ذلك. قال: فليأذن لنا نأته نحن. قالوا: نسأله ذلك، فأتوه و سألوه إيّاه فقال: لا و اللّه لا آذن له أبدا، و يحكم ألا تنتهون؟هذا و اللّه محتال:
فقالوا له: لا و اللّه ما هو بمحتال. فلم يزالوا به حتى أجابهم إلى أن تلقاه، فلما كان الليل قال لأحمد بن عيسى: قم فاخرج إلى موضع آخر، فإن ابتليت سلمت أنت، فخرج أحمد، و بعث ابن الكردية إلى أحمد بن الحرث الهلالي [١] ، و كان أمير البصرة يأمره أن يبعث بالرجال إليه ليهجموا عليه حيث يدخل، و مضى هو حتى أتى الدار، و بعث بغلامه حتى جاء معه بالرجال فهجموا على حاضر، فقال لابن الكردية:
ويلك غررتني باللّه. قال: ما فعلت، و لعلّ السلطان أن يكون قد بلغه خبرك.
فأخذ فأتى به محمد بن الحارث فحبسه ليلته، فلما كان من غد اجتمع الناس إليه، و أمر من أتاه بحاضر فجيء به فقال له: اتق اللّه في دمي، فو اللّه ما قتلت نفسا، و لا أخفت السبيل، فسمعته يقول: جاءوا بحاضر و لا أعلمه صاحبي الذي كان يجالسني، و يذكر أنه مستتر من غرمائه، فأدخل عليه، فخشيت أن يلحقني ما لا أحب، فنظر إليّ نظرة فتوقعت أن يكلمني أو يستشهدني كما يفعل المستغيث فما فعل من ذلك شيئا، إنما لحظني لحظة ثم حول وجهه عني كأنه لم يعرفني قط، فقال له محمد بن الحرث: إن أمير المؤمنين غير متهم عليك، فحمله إليه. فأتى به هارون الرشيد و هو في الشماسية، فأحضره و أحضر الحازمي رجلا من ولد عبد اللّه بن حازم، و كان قد أخذ له بيعة ببغداد فوقعت في يد الرشيد فبدأ به، ثم قال: جئت من خراسان إلى دار مملكتي تفسد عليّ أمري و تأخذ بيعة؟.
قال: ما فعلت يا أمير المؤمنين.
[١] في الخطية «محمد بن حرب الهمذاني» .