مقاتل الطالبيين - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٨٥ - ٥٩-محمد بن صالح بن عبد اللّه
و حالك، و وهبت لك القافلة بجميع ما فيها، ثم خرجت فناديت في أصحابي فاجتمعوا إليّ، فناديت فيهم إني قد أجرت هذه القافلة و أهلها و خفرتها و حميتها، و جعلت لها ذمّة اللّه و ذمة رسوله و ذمتي، فمن أخذ منها خيطا أو مخيطا أو عقالا فقد آذنته بحرب. فانصرفوا معي و انصرفت، و سار أهل القافلة سالمين.
فلما أخذت و حبست، بينا أنا ذات يوم في محبسي إذ جاءني السجان فقال لي:
إن بالباب امرأتين تزعمان أنهما من أهلك، و قد حظر عليّ أن يدخل[عليك]أحد، إلاّ أنهما قد أعطتاني دملج ذهب، و جعلتاه لي إن أوصلتهما إليك، و قد أذنت لهما و هما في الدهليز، فاخرج إليهما إن شئت.
فتنكرت من يجيئني في بلد غربة و في حبس و حيث لا يعرفني أحد، ثم تفكرت فقلت: لعلهما من ولد أبي أو من بعض نساء أهلي، فخرجت إليهما و إذا بصاحبتيفلما رأتني بكت لما رأت من تغيير خلقي و ثقل حديدي، فأقبلت عليها الأخرى فقالت: أهو هو؟قالت: إي و اللّه لهو هو، ثم أقبلت عليّ فقالت: فداك أبي و أمي، لو استطعت أن أقيك مما أنت فيه بنفسي و أهلي لفعلت، و لكنت بذاك مني حقيقيا، و و اللّه لا تركت المعاونة و السعي في خلاصك، و كلّ حيلة و مال و شفاعة، و هذه دنانير و طيب و ثياب فاستعن بها على موضعك، و رسولي يأتيك في كل يوم بما يصلحك حتى يفرج اللّه عنك. ثم أخرجت إليّ المرأة كسوة و طيبا و مائتي دينار، و كان رسولها يأتيني في كل يوم بطعام نظيف، و يتصل برها عند السجان فلا يمتنع من كل ما أريد، حتى منّ اللّه بخلاصي.
ثم راسلتها فخطبتها، فقالت: أما من جهتي فأنا لك سامعة مطيعة، و الأمر إلى أبي، فأتيته فخطبتها إليه، فردني و قال: ما كنت لأحقق عليها ما شاع في الناس عنك من أمرها فقد صيرتنا فضيحة. فقمت من عنده منكسرا مستحيا و قلت في ذلك:
رموني و إياها بشنعاء هم بها # أحق أدال اللّه منهم فعجلا [١]
بأمر تركناه و ربّ محمد # عيانا فإما عفة أو تجملا
فقلت له: إن عيسى صنيعة أخي [٢] ، و هو لي مطيع، و أنا أكفيك أمره، فلما
[١] في ط و ق «و إيّاها بسعياهم بها... أزال» .
[٢] في ط و ق «صنيعة أبي» .