مقاتل الطالبيين - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٩ - مقدمة
و اللّبن و أمثالهما وقف من جانبه الأيمن غلام معه نحو ثلاثين ملعقة زجاجا مجرودا، و كان يستعمله كثيرا فيأخذ منه ملعقة يأكل بها من ذلك اللون لقمة واحدة ثم يدفعها إلى غلام آخر قام من الجانب الأيسر، ثم يأخذ أخرى فيفعل بها فعل الأولى حتى ينال الكفاية؛ لئلا يعيد الملعقة إلى فيه دفعة ثانية» [١] .
يذكر المهلبي ذلك كله و يذكر صديقه أبا الفرج فيعفو عنه و يغفر له هجاءه، و يتصل حبل إخائهما حتى يقطعه موت المهلبي في سنة ٣٥٢ هـ ثم يلحق به أبو الفرج بعد أن يخلط في ذي الحجة سنة ٢٥٦ هـ على أصح الأقوال [٢] .
و قد كان أبو الفرج هجّاء خبيث اللسان يحذره الناس و يتقونه، و قد التمس ذات مرة عصا من أحد القضاة فلم يعطه إيّاها فهجاه بأبيات بلغت الغاية في الإقذاع، و يستوزر الخليفة الراضي أبا عبد اللّه البريدي و كانت داره ملاصقة لدار أبي الفرج فيهجوه و يؤنب الراضي بقصيدة تزيد على مائة بيت مطلعها:
يا سماء اسقطي و يا أرض ميدي # قد تولى الوزارة ابن البريدي [٣]
و ينحدر أبو الفرج إلى البصرة فيضيق بها و يهجوها و أهلها و يقول عنهم:
«إنهم كلاب يلبسون الفرا» .
و قد كان أبو الفرج ذا عناية ملحوظة بالحيوانات و تربيتها: «كان له سنور أبيض يسميه يققا، و كان من عادة هذا السنور أن يخرج و يصيح إذا ما قرع باب أبي الفرج قارع إلى أن يتبعه من يفتح الباب، و قد مرض يفق بالقولنج فشغل أبو الفرج بعلاجه و تفقده أصحابه و ذهب إليه منهم أبو إسحاق الصابي و أبو العلاء صاعد و أبو علي الأنباري لقضاء حقه و تعرف خبره، فطلع عليهم أبو الفرج بعد مدة مديدة و يده ملوثة بما ظنوه شيئا كان يأكله فقالوا له: عققناك بأن قطعناك عمّا كان أهم من قصدنا إيّاك، فقال لهم: لا و اللّه يا سادتي ما كنت على ما تظنون-
[١] معجم الأدباء ١٣/١٠٣.
[٢] ابن خلكان ١/٣٣٥.
[٣] الفخري ص ٢٥٦.