مقاتل الطالبيين - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٧ - مقدمة
فيسخر أبو الفرج أدبه في خدمة الوزير، و يترصد مواقع هواه فيضع فيها نثره و شعره، و يؤلف له «نسب المهالبة» . و «مناجيب الخصيان» لأنه كان يهيم بخصيين مغنيين كانا له، و ينظم فيه الشعر كلما دعت المناسبة، فيهنئه إذا أبلّ من مرض أو ولد له، و يمدحه في المواسم و الأعياد، و يتظرف فيشكو إليه الفأر، و يصف الهر، و يستميحه البر:
رهنت ثيابي و حال القضا # ء دون القضاء و صد القدر
و هذا الشتاء كما قد ترى # عسوف عليّ قبيح الأثر
ينادي بصرّ من العاصفا # ت أو دمق مثل و خز الإبر
و سكان دارك ممن أعو # ل يلقين من برده كلّ شر
فهذي تحنّ و هذي تئنّ # و أدمع هاتيك تجري درر
إذا ما تململن تحت الظلام # تعللن منك بحسن النظر
و لاحظن ربعك كالممحلى # ن شاموا البروق رجاء المطر
يؤملن عودي بما ينتظرن # كما يرتجى آئب من سفر
فأنعم بإنجاز ما قد وعدت # فما غيرك اليوم من ينتظر
و عش لي و بعدي فأنت الحيا # ة و السمع من جسدي و البصر
و هو إذا ما عرض لمدحه لا يجنح إلى المبالغة الممقوتة، و لا يتعمل الثناء الأجوف و لا يتصيد المكارم تصيدا، بل يقول ما يعرفه و يصفه بما فيه:
إذا ما علاى في الصدر للنهي و الأمر # و بثهما في النفع منه و في الضر
و أجرى ظبا أقلامه و تدفقت # بديهته كالمستمد من البحر
رأيت نظام الدر في نظم قوله # و منثوره الرقراق في ذلك النثر
و يقتضب المعنى الكثير بلفظة # و يأتي بما تحوى الطوامير في سطر
أيا غرة الدهر أئتنف غرة الشهر # و قابل هلال الفطر من ليلة الفطر
بأيمن أقبال و أسعد طائر # و أفضل ما ترجوه في أفسح العمر
فليس في هذا المديح إسراف و لا إغراق في المبالغة؛ فقد كان الوزير المهلبي كما يقول الثعالبي: «غاية في الأدب و المحبة لأهله و كان يترسل مترسلا مليحا، و يقول الشعر قولا لطيفا يضرب بحسنه المثل يغذي الرّوح و يجلب