مقاتل الطالبيين - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٧١ - ٥٧-محمد بن القاسم بن علي
المعتصم في داره، و وكل به مسرور عدة من غلمانه و ثقاته، و كانت في القبة التي هو فيها محبوس عدة روازن و كوى واسعة الضوء، فطلب مقراضا يكون عنده يقص به أظفاره، فدفع إليه، فعمد إلى لبد كان تحته فقطع نصفه بالمقراض و قصصه كهيئة السيور، و عمل منه مثل السلم، و طلب منهم سعفة ذكر أنه يريد أن يطرد بها الفأر؛ فإنه يأكل خبزه فينجسه عليه، فأعطوه فقطعها، و خرز حواليها بالمقراض حتى كسرها ثلاث قطع، و قرنها بمسواكه و جعلها في رأس السلم، و حلّق به في أقرب روزنة من تلك الرّوازن إليه فعلق فيها، و تسلّق عليه، و جذبه إليه لما صعد فنجا، و كانت ليلة الفطر من سنة تسع عشرة و مائتين، و قد أدخلت الفواكه و الرياحين و آلة العيد على رؤوس الحمالين إلى البستان، و صار الحمالون جميعا إلى القبة التي فيها محمد بن القاسم، فباتوا حولها، و رموا بناتيجهم و ناموا، فرمى بنفسه من القبة إلى أسفل، و نام بين الحمالين، و تحركت خرزة من فقار ظهره و لم تنفك، فنام بين الحمالينثم عجل فأخذ بنتيجة أحدهم و ذهب ليخرج فقال أحد البوابين: من أنت؟فقال: أحد الحمالين أردت الانصراف إلى أهلي فقال له: نم عندي مكانك لا يأخذك العسس، فنام عنده. فلما طلع الفجر خرج الحمالون، و خرج معهم و أفلت، فلما أصبحوا فتحوا الباب فلم يجدوه، فأعلموا مسرورا بخبره، فدخل على المعتصم، حافيا مستسلما للقتل و أعلمه الخبر، فقال له المعتصم: لا بأس عليك، إن كان ذهب فلن يفوت، إن ظهر أخذناه، و إن آثر السلامة و استتر تركناه.
فقال مسرور بعد ذلك: هذا من تفضّل أمير المؤمنين عليّ، و لو جرى هذا في أيام الرشيد لقتلني.
فقيل: إنه رجع إلى الطالقان فمات بها.
و قيل: إنه انحدر إلى واسط، و ذلك الصحيح [١] .
قال محمد بن الأزهر في خبره:
[١] في مروج الذهب ٢/٢٤٦ «و قد تنوزع في محمد بن القاسم فمن قائل: إنه قتل بالسم، و منهم من يقول: إن ناسا من شيعته من الطالقان أتوا ذلك البستان فتاقوا للخدمة فيه من غرس و زراعة، و اتخذوا سلالم من الحبال و اللبود و الطالقانية، و نقبوا الأزج و أخرجوه، فذهبوا به فلم يعرف له خبر إلى هذه الغاية، و قد انقاد إلى إمامته خلق كثير من الزيدية إلى هذا الوقت، و هو سنة اثنتين و ثلاثين و ثلاثمائة، و منهم خلق كثير يزعمون أن محمدا لم يمت، و أنه حي يرزق، و أنه يخرج فيملؤها عدلا كما ملئت جورا، و أنه مهدي هذه الأمة، و أكثر هؤلاء بناحية الكوفة و جبال طبرستان و الديلم و كثير من كور خراسان» .