مقاتل الطالبيين - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤١٦ - (ذكر السبب في أخذه و حبسه)
مني و سلّمه إلى من شئت، و إلاّ خلّيت سبيله، فقد اجتهدت أن آخذ عليه حجة فما أقدر على ذلك، حتى إني لأتسمع عليه إذا دعا لعلّه يدعو عليّ أو عليك فما أسمعه يدعو إلاّ لنفسه، يسأل اللّه الرحمة و المغفرة.
فوجه من تسلّمه منه، و حبسه عند الفضل بن الربيع ببغداد، فبقي عنده مدة طويلة. و أراده الرشيد على شيء من أمره فأبى، فكتب إليه ليسلمه إلى الفضل بن يحيى، فتسلمه منه، و أراد ذلك منه فلم يفعله، و بلغه أنه عنده في رفاهية وسعة و دعة، و هو حينئذ بالرقة، فأنفذ مسرورا الخادم إلى بغداد على البريد، و أمره أن يدخل من فوره إلى موسى فيعرف خبره، فإن كان الأمر على ما بلغه أوصل كتابا منه إلى العباس بن محمدو أمره بامتثاله، و أوصل كتابا منه إلى السّندي بن شاهك يأمره بطاعة العباس بن محمد.
فقدم مسرور فنزل دار الفضل بن يحيى لا يدري أحد ما يريد، ثم دخل على موسى فوجده على ما بلغ الرشيد، فمضى من فوره إلى العباس بن محمد و السندي بن شاهك، فأوصل الكتابين إليهما. فلم يلبث الناس أن خرج الرسول يركض ركضا إلى الفضل بن يحيى، فركب معه و خرج مشدوها دهشا حتى دخل على العباس فدعا العباس بالسياط و عقابين، فوجّه بذلك إليه السندي، فأمر بالفضل فجرد ثم ضربه مائة سوط.
و خرج متغير اللون بخلاف ما دخل، فذهبت قوته [١] فجعل يسلم على الناس يمينا و شمالا.
و كتب مسرور بالخبر إلى الرشيد، فأمر بتسليم موسى إلى السندي بن شاهك و جلس الرشيد مجلسا حافلا و قال:
أيها الناس، إن الفضل بن يحيى قد عصاني و خالف طاعتي، و رأيت أن ألعنه فالعنوه. فلعنه الناس من كل ناحية حتى ارتج البيت و الدار بلعنه.
و بلغ يحيى بن خالد الخبر فركب إلى الرشيد، فدخل من غير الباب الذي يدخل منه الناس حتى جاءه من خلفه و هو لا يشعر، ثم قال له: التفت إليّ يا أمير المؤمنين، فأصغي إليه فزعا، فقال له: إن الفضل حدثو أنا أكفيك ما تريد،
[١] في الخطية «قد ذهبت نخوته» .