مقاتل الطالبيين - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٥ - مقدمة
في سبيل أطماعه و جزاء ما اجترحت يداه من عيث و إفساد.
و قد صنّف أبو الفرج أخبارهم، و نظّم سيرهم، و رصف مقاتلهم، و جلّى قصصهم بأسلوبه الساحر، و بيانه الآسر و طريقته الفذة في حسن العرض، و مهارته الفائقة في سبك القصة، و حبك نسجها، و ائتلاف أصباغها و ألوانها، و تسلسل فكرتها، و وحدة ديباجتها، و تسوق نصاعتها، على اختلاف رواتها و تعدد روايتها و تباين طرقها، حتى لتبدو و كأنها بنات فكر واحد و هذا هو سر الصنعة في أدب أبي الفرج الأصفهاني.
و لئن كان أبو الفرج قد بلغ غاية التصوير و التعبير في كتاب الأغاني لأن موضوعه يلتئم و مزاجه الفني و يتفق و مسلكه في الحياة و يقع من عقله و فكره و ذوقه و عاطفته موقع الرضا و القبول، فإنه كذلك قد بلغ غاية التصوير و التعبير في مقاتل الطالبيين؛ لأن موضوعه حبيب إلى نفسه، عظيم المكانة من قلبه لأنه و إن كان أموي النسب فإنه شيعي الهوى و ليس ذلك بمستغرب و لا مستنكر فإن التشيّع الحقيقي ينجم عن حب الرسول و يصدر عن مودة قرباه و آل بيته الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا، و الحب الصادق لا يقيم وزنا لفارق النسب و لا لغيره من الفوارق التي يحقّرها و يحطم مغاليقها و أسوارها و إن تواضع الناس على احترامها.
نعم كان أبو الفرج أمويّا شيعيّا، و شيعيّا أمويّا يعطف على الدولة الأموية بالأندلس و يكرم وفادة رسلها إليه، و يختصها بثمار قريحته و نتائج فطنته، و يؤلف الكتب ثم يرسل بها إليهم فتظهر عندهم قبل ظهورها في المشرق بل لا يكاد المشرق يعرف عن أكثرها إلاّ اسمه و قد عدّ الخطيب البغدادي من هذه الكتب أحد عشر كتابا [١] .
كان موضوع مقاتل الطالبيين إذا محببا إلى نفس أبي الفرج فحشد له همته،
[١] تاريخ بغداد ١١/٣٩٨.