مقاتل الطالبيين - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٣ - مقدمة
و من كتبه التي قرئت عليه كذلك كتاب «مقاتل الطالبيين» .
و قد عنيت بنشره لقيمة موضوعه و جلال مؤلفه في نفسي و عظم مكانتها في الأدب العربي و التاريخ الإسلامي منذ كانا إلى يوم الناس هذا.
و لا يعرف التاريخ أسرة كأسرة أبي طالب بلغت الغاية من شرف الأرومة و طيب النجار، ضل عنها حقها و جاهدت في سبيل حق الجهاد على مرّ الأعصار ثم لم تظفر من جهادها المرير إلاّ بالحسرات و لم تعقب من جهادها إلاّ العبرات على ما فقدت من أبطال أسالوا نفوسهم في ساحة الوغى راضية قلوبهم مطمئنة ضمائرهم و صافحوا الموت في بسالة فائقة و تلقوه في صبر جميل يثير النفس أفانين الإعجاب و الإكبار، و يشيّع فيها ألوان التقدير و الإعظام.
و قد أسرف خصوم هذه الأسرة الطاهرة في محاربتها و أذاقوها ضروب النكال و صبّوا عليها صنوف العذاب و لم يرقبوا فيها إلاّ و لاذمة و لم يرعوا لها حقا و لا حرمة، و أفرغوا بأسهم الشديد على النساء و الأطفال و الرجال جميعا في عنف لا يشوبه لين و قسوة لا تمازجها رحمة حتى غدت مصائب أهل البيت مضرب الأمثال في فظاعة النكال. و قد فجّرت هذه النسوة البالغة ينابيع الرحمة و المودة في قلوب الناس، و أشاعت الأسف الممض في ضمائرهم و ملأت عليهم أقطار نفوسهم شجنا، و صارت مصارع هؤلاء الشهداء حديثا يروى و خبرا يتناقل و قصصا يقص يجد فيه الناس إرضاء عواطفهم و إرواء مشاعرهم فتطلّبوه و حرصوا عليه.
و قد استجاب الرواة و المؤلفون لنداء هذه الرغبة العارمة أو لطلب المثالة بين الناس فشرعوا يؤلفون أخبارهم و يسطرون فضائلهم و يدبجون سيرهم و يؤرخون مقاتلهم، و من هؤلاء العلماء أبو مخنف المتوفى قبل سنة ١٧٠ هـ فقد ألّف مقتل علي [١] و «مقتل الحسين» [٢] و ألّف نصر بن مزاحم المنقري المتوفى سنة ٢١٢ هـ «مقتل الحسين» [٣] .
[١] فهرست ابن النديم ص ١٣٦.
[٢] ابن النديم ١٣٧.
[٣] ابن النديم ص ١٣٧.