المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٦١ - ذكر طرف من أخبار المأمون و سيرته
حدّثنا الحسن بن محمد الكاتب قال: ذكر بشر بن الوليد القاضي المأمون فقال: كان و اللَّه الملك حقا، ما رأيت خليفة كان الكذب عليه أشد منه على المأمون، و كان يحتمل كل آفة تكون في الإنسان و لا يحتمل الكذب. قال لي يوما: صف لي أبا يوسف القاضي، فإنّي لم أره و لم استكثر منه. فوصفته له، فاستحسن صفته و قال: وددت أن مثل هذا يحضرنا فنتجمل به [١]. ثم قال: ما شيء من الخلافة إلا و أنا أحسن [أن] [٢] أدبره، و أبلغ منه حيث أريد، و أقوى عليه، إلا أمر أصحابك- يعني: القضاة- فو اللَّه لقد اجتهدت و ما ظنك بشيء يتحرج منه علي بن هشام، و يتوقى سوء عاقبته، و يتكالب عليه الفقهاء و أهل التصنع و الرياء. فقلت: يا أمير المؤمنين، و اللَّه ما أدري ما أقصد فأجيب بحبسه. فقال: لكني أدريه، و لا و اللَّه ما تجيبني فيه بجواب مقنع أبدا. ثم ابتدأ فقال:
ولينا رجلا- أشرت به علينا- قضاء الأبلة، و أجرينا عليه ألف درهم، و لا له ضيعة و لا عقار و لا مال، فرجع صاحب الخبر بالناحية أن نفقته في الشهر أربعة آلاف درهم، فمن أين هذه الثلاثة آلاف درهم!؟
و ولينا رجلا- أشار به/ محمد بن سماعة- دمشق، و أجرينا عليه ألفي درهم في الشهر، فأقام بها أربعة عشر شهرا، و وجهنا من يتتبع أمواله و يرجع إلينا بخبره [٣]، فصح عنه أنه يملك قيمة ثلاثة عشر ألف دينار من دابة و بغل و خادم و جارية و غير ذلك.
و ولينا رجلا- أشار به غيركما- نهاوند، فأقام بعد عشرين شهرا من دخول يده في العمل سبعين بحينا و عشرين بحينا [٤]، و في منزله أربعة خدم خصيان قيمتهم ألف و خمسمائة دينار، و ذلك سوى نتاج فكر اتخذه. هات ما عندك من الجواب.
قلت: و اللَّه يا أمير المؤمنين ما عندي جواب. فقال: أ لم أعلمك أنه لا جواب عندك!؟ و أكثر من هذا أنه ترغّب لي علي بن هشام في رجل أوليته القضاء، فأعلمني
[١] في ت: «فتتزين به».
[٢] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.
[٣] في الأصل: «و يرجع إليه بخبره».
[٤] هكذا بالأصلين.