المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣١ - ١٠٧٢- حفص بن غياث بن طلق، أبو عمر الكوفي
بالمال فجلس حفص، فسجل على المجوسي، و ورد كتاب هارون مع خادم له، فقال:
هذا كتاب أمير المؤمنين. فقال: انظر ما يقال لك، فلما فرغ حفص من السجل أخذ الكتاب من الخادم فقرأه/ فقال: اقرأ على أمير المؤمنين السلام و أخبره أن كتابه ورد، و قد أنفذ الحكم، فقال الخادم: قد و اللَّه عرفت ما صنعت، ما أردت أن تأخذ كتاب أمير المؤمنين حتى تفرغ مما تريد، و اللَّه لأخبرن أمير المؤمنين بما فعلت. فقال حفص: قل له ما أحببت. فجاء الخادم، فأخبر هارون، فضحك و قال للحاجب: مر لحفص بن غياث بثلاثين ألف درهم. فركب يحيى بن خالد و استقبل حفصا منصرفا من مجلس القضاء، فقال: أيها القاضي، قد سررت أمير المؤمنين اليوم، و أمر لك بثلاثين ألف درهم، فما كان السبب في هذا؟ قال: تمم اللَّه نعم أمير المؤمنين، و أحسن حفظه و كلاءته، ما زدت على ما أفعل كل يوم. قال: ما أعلم إلا أني سجلت على مرزبان المجوسي بما وجب عليه، فقال: فمن هذا سرّ أمير المؤمنين. قال حفص: الحمد للَّه كثيرا. فقالت أم جعفر لهارون: لا أنا و لا أنت، إلا أن تعزل حفصا. فأبي عليها، ثم ألحت عليه فعزله عن الشرقية، و ولاه قضاء الكوفة، فمكث عليها ثلاث عشرة سنة، و كان أبو يوسف لما ولي حفص قال لأصحابه: تعالوا نكتب نوادر حفص، فلما وردت أحكامه و قضاياه على أبي يوسف قال له أصحابه: أين النوادر [١] التي تكتبها؟ قال:
ويحكم إن حفصا أراد اللَّه فوفقه اللَّه [٢].
أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا أحمد بن علي قال: قرأت على الحسن بن أبي بكر، عن أحمد بن كامل القاضي قال: سمعت محمد بن عثمان يقول: حدّثني أبي قال:
سمعت عمر بن حفص يقول: لما حضرت أبي الوفاة/ أغمي عليه، فبكيت عند رأسه، فأفاق فقال: ما يبكيك؟ قلت: أبكي لفراقك، و لما دخلت فيه من هذا الأمر- يعني القضاء- قال: لا تبك، فإنّي ما حللت سراويلي على حرام قط، و لا جلس بين يدي خصمان فباليت على من توجه الحكم منها [٣].
[١] في الأصل: «أي النوادر».
[٢] انظر: تاريخ بغداد ٨/ ١٩١- ١٩٣.
[٣] انظر: تاريخ بغداد ٨/ ١٩٠.