المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٥٢ - ١١٣٨- بهيم العجليّ، يكنى أبا بكر
إخوانك و جيرانك [١] يريد الحج، ترضاه يرافقني؟ قلت: نعم، فذهبت به إلى رجل من الحي، له صلاح و دين، فجمعت بينهما و تواطئا على المرافقة [٢]. ثم انطلق بهيم إلى أهله، فلما كان بعد، أتاني الرجل فقال: يا هذا، أحب أن تزوي عني صاحبك و يطلب رفيقا غيري. فقلت: ويحك، و لم؟ [٣] فو اللَّه ما أعلم بالكوفة [٤] له نظير في حسن الخلق و الاحتمال. و لقد ركبت معه البحر فلم أر إلا خيرا. فقال: ويحك، حدّثت أنه طويل البكاء، و لا يكاد يفتر، فهذا ينغّص علينا العيش [في] [٥] سفرنا كله. قال: قلت:
ويحك، إنما يكون البكاء أحيانا عند التذكرة، يرق القلب فيبكي الرجل، أو ما تبكي أنت أحيانا؟ قال: بلى، و لكن [قد] [٦] بلغني عنه أمر عظيم جدا من كثرة بكائه. قال:
قلت: اصحبه فلعلك أن تنتفع به. قال: أستخير اللَّه فلما كان اليوم الّذي أرادا أن يخرجا فيه جيء بالإبل، و وطئ لهما، فجلس بهيم في ظل حائط، فوضع يده تحت لحيته، و جعلت دموعه تسيل على خديه، ثم على لحيته، ثم على صدره، حتى و اللَّه رأيت دموعه [على] [٧] الأرض. قال: يقول لي صاحبي: يا مخول، قد ابتدأ صاحبك، ليس هذا لي برفيق. قال: قلت: أرفق، فلعله ذكر عياله و مفارقته إياهم فرقّ. فسمعنا بهيم فقال: و اللَّه يا أخي [٨] ما هو ذاك، و لكنى ذكرت [٩] بها الرحلة/ إلى الآخرة. قال: و علا صوته بالنحيب. قال: يقول لي صاحبي، و اللَّه ما هي بأول عداوتك لي و بغضك إياي، أنا ما لي و لبهيم، و إنما كان ينبغي أن ترافق بين بهيم و بين داود الطائي و سلّام أبي الأحوص، حتى يبكي بعضهم إلى بعض، يشفون أو يموتون جميعا قال: فلم أزل أرفق به. قلت: ويحك، لعلها خير سفرة سافرتها.
[١] في ت: «من جيرانك و إخوانك».
[٢] في الأصل: «الموافقة».
[٣] في الأصل: «و لم ويحك».
[٤] «بالكوفة له» ساقطة من ت.
[٥] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.
[٦] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل و مكانها: «و لكني بلغني».
[٧] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
[٨] في ت: «يا أخي و اللَّه».
[٩] في ت: «و ما هو إلا أني».