المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٩٥ - ذكر العهد الّذي كتبه المأمون بخطّه لعلي ابن موسى الرّضا
هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَ إِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ. [١] فبلّغ عن اللَّه رسالته، و دعا إلى سبيله بما أمره به من الحكمة و الموعظة الحسنة، و المجادلة بالتي هي أحسن، ثم الجهاد و الغلظة حتى قبضه اللَّه إليه، و اختار له ما عنده ( صلّى اللَّه عليه و سلّم )، فلما انقضت النبوة، و ختم اللَّه بمحمد الوحي و الرسالة، جعل قوام الدين و نظام أمر المسلمين بالخلافة، و إتمامها و عزها، و القيام بحق اللَّه فيها بالطاعة التي بها [٢] تقام فرائض اللَّه و حدوده/ و شرائع الإسلام و سننه، و يجاهد بها عدوه، فعلى خلفاء اللَّه طاعته فيما استخلفهم، و استرعاهم من أمر دينه و عباده، و على المسلمين طاعة خلفائهم و معاونتهم على إقامة حق اللَّه و عدله، و أمن السبل، و حقن الدماء، و إصلاح ذات البين، و جمع الألفة، و في خلاف ذلك اضطراب أمر المسلمين، و اختلاف ملتهم، و قهر دينهم، و استعلاء عدوهم، و تفرق الكلمة، و خسران الدنيا و الآخرة، فحق على من استخلفه في أرضه، و ائتمنه على خلقه أن يجهد للَّه نفسه، و يؤثر على ما فيه رضى اللَّه و طاعته، و يعمل لما اللَّه واقفه عليه [٣]، و سائله عنه، و يحكم بالحق، و يعمل بالعدل فيما حمله اللَّه و قلّده، فإن اللَّه عز و جل يقول لنبيه داود (عليه السلام): يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ [٤] و قال تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [٥].
و بلغنا أن عمر بن الخطاب قال: لو ضاعت سخلة بشاطئ الفرات لتخوفت أن يسألني اللَّه عنها، و أيم اللَّه إن المسئول عن خاصة نفسه على عمله فيما بين اللَّه و بينه ليعرض أمر كبير على خطر عظيم، فكيف بالمسئول عن رعاية الأمة، و باللَّه الثقة، و إليه المفزع و الرغبة في التوفيق و العصمة و التسديد و الهداية إلى ما فيه ثبوت الحجة، و الفوز من اللَّه، و الرضوان و الرحمة، و انظر الأئمة لنفسه و أنصحهم للَّه في دينه و عباده، و خلافته في أرضه من عمل بطاعته و دينه و سنّة نبيه (عليه السلام) في/ [مدة] [٦] أيامه و بعدها،
[١] سورة الأنفال، الآية: ٤٢.
[٢] في الأصل: «التي تقام بها».
[٣] في الأصل: «لما عليه وافقه عليه».
[٤] سورة: ص، الآية ٢٦.
[٥] سورة: الحجر. الآية: ٩٢.
[٦] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.