المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٦٠ - ذكر طرف من أخبار المأمون و سيرته
قيل: إن من جرّعك مرّ التبري أشفق عليك ممن أوجرك حلق النقم، و من خوّفك لتأمن أبرّ ممن أمنك لتخاف.
و قال: الإخوان ثلاث طبقات، فأخ/ كالغذاء الّذي تحتاج إليه في كل يوم و في كل وقت، و هو الأخ العاقل الأديب، و أخ كالدواء تحتاج إليه عند الداء، و هو الأخ الأريب الّذي يصادق المودة، و أخ كالداء الّذي لا يحتاج إليه، و هو الأحمق.
و كان المأمون يقول: أعظم الناس سلطانا من تسلط على نفسه فوليها بمحكم التدبير و ملك هواه فحمله على محاسن الأمور، و أشرب معرفة الحق فانقاد للواجب، فوقف عند الشبهة حتى استوضح مقرّ الصواب فتوخاه و رزق عظيم الصبر فهان عليه هجوم النوائب تأميلا لما بعدها من عواقب الرغائب، و أعطي فضيلة التثبت، فحبس عزب لسانه، و مما ينبغي الاحتياط فيه اختيار الكفاة من الأعوان، و إنزالهم منازلهم، و الانتصار بهم على ما يطيقونه. و أنشد:
من كان راعيه دينا في حلوبته * * * فهو الّذي نفسه في أمره ظلما
ترجو كفايته و الغدر عادته * * * و من ولايته يستجني الندما
و قيل للمأمون: أي المجالس أحسن؟ قال: ما نظر فيه إلى الناس.
و بعث المأمون رجلا ليسبق الحاج [١]، فجاء بعد جماعة و كتب إلى المأمون رقعة ليسأله فيها شيئا، و كتب عليها: سابق الحاج. فنقط المأمون تحت الباء نقطة أخرى و ردها إليه [٢].
و رفع [رجل] [٣] صوته في مجلسه اسمه عبد الصمد، فقال:
لا ترفعن الصوت يا عبد الصمد * * * إن الصواب في الأسدّ الأشدّ
/ أخبرنا زاهر بن طاهر قال: أنبأنا أبو عثمان الصابوني و أبو بكر البيهقي قالا:
أنبأنا أبو عبد اللَّه الحاكم قال: حدّثني عبيد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن الضبي قال:
[١] في الأصل: «ليسبق الناس».
[٢] «إليه» ساقط من ت.
[٣] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.