المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٦٢ - ذكر طرف من أخبار المأمون و سيرته
أنه وجده، فسرني و اللَّه، و سرّي عني، و رجوت أن يكون بحيث أحب، فأمرته بإحضاره، فغدا عليّ فسألته عن الرجل، فذكر أنه لم يجده على الصفة التي يحب، فسألته عن السبب في ذلك بعد وصفه الأول، فوصف أن الّذي وصفه لي على بن مقاتل، و أنه كان عنده من أهل العفاف و الستر، فانصرف علي، و لم يحضره، و وجّه إليه و هو لا يشك أنه يظهر كراهة لما أردناه عليه، و يستعفي تصنعا، فخبره بما أردناه له، فوثب إلى رأسه فقبّله، فقضى أنه لا خير عنده، لأنه لو كان من أهل الخير لعدّ الّذي دعا إليه إحدى المصائب و الرزايا،/ فقلت له: جزاك اللَّه عن إمامك و نفسك خير ما جزى امرأ عن إمامه و نفسه و دينه.
قال بشر: فبهت و لم أجر بكلمة، فقال لي: و لكن إذا أردت العفيف النظيف التقي النقي الطاهر الزكي- يعني الحسين- و هو بحالته التي فارقنا عليها، و اللَّه ما غيّر و لا بدّل.
أما يحيى بن أكثم فما ندري ما عيبه!؟ أما ظاهره فأعف خلق اللَّه. فقلت: و اللَّه يا أمير المؤمنين ما لك في الخلفاء شبيه إلا عمر بن الخطاب، فإنه كان يفحص عن عماله و عن دقيق أسرار حكامه فحصا شافيا، و كان لا يخفى عليه ما يفيده كل امرئ منهم و ما ينفق، و كل من نأى عنه كمن دنا منه في بحثه و تنقيره. فقال: يا بشر، إن أهمّ الأمور كلها إليّ أمور الحكام، إذ كنا قد ألزمناهم النظر في الدماء و الأموال و الفروج و الأحكام، و وددت أن يتأتى مائة قاض مرضيين، و أني أجوع يوما و أشبع يوما.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا أبو عمر الحسن بن عثمان الواعظ قال: حدّثنا جعفر بن محمد بن الحكم قال: حدّثني [١] أحمد بن الحسن الكسائي قال: حدّثنا سليمان بن الفضل النهرواني قال: حدّثني يحيى بن أكثم قال: بت ليلة عند المأمون فعطشت في جوف الليل، فقمت لأشرب ماء، فرآني المأمون فقال: ما لك ليس تنام يا يحيى؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أنا و اللَّه عطشان. فقال: ارجع إلى موضعك. فقام و اللَّه/ إلى البرادة فجاءني بكوز، فقام على رأسي فقال: اشرب يا يحيى. فقلت: يا أمير المؤمنين، فهلا وصيف أو وصيفة! فقال:
إنهم نيام. قلت: فأنا كنت أقوم أشرب! فقال لي: لؤم بالرجل أن يستخدم ضيفه. ثم
[١] في الأصل: «و حدثني».