المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٤٧ - ثم دخلت سنة ثمان و تسعين و مائة
و قال: أستودعكما اللَّه. و جعل يمسح دموعه، و لبس ثياب الخلافة، و ركب يريد هرثمة، و بين يديه شمعة. فلما انتهى إلى دار الحرس قال لخادمه: اسقني من جباب الحرس.
فناوله كوزا، فعافه لزهوكته [١]، فلم يشرب منه، فلما أن سار في الحراقة [٢] خرج طاهر و أصحابه فرموا الحراقة بالسهام و الحجارة فانكبت الحراقة، فغرق محمد و من كان فيها، فشق محمد ثيابه و سبح حتى عبر، فصار إلى بستان موسى، فعرفه محمد بن حميد الطاهري، فصاح بأصحابه، فنزلوا فأخذوه، فبادر محمد الماء، فأخذوا بساقيه، ثم حمل على برذون و ألقي عليه إزار من أزر [٣] الجند غير مفتول، و حمل إلى منزل إبراهيم بن جعفر البلخي، و كان بباب الكوفة، و أردف رجل خلفه ليلا يسفط كما يفعل بالأسير [٤].
و قيل إنه عرض على الذين أخذوه مائة حبة، كل حبة قيمتها مائة ألف، فأبوا أن يتركوه، و جاء الخبر بذلك إلى طاهر بن الحسين، فدعا مولى له يقال له: قريش الدّندانيّ، فأمره بقتل محمد، فلما انتصف الليل فتح الدار قوم من العجم، بأيديهم السيوف مسللة، فلما رآهم قام قائما/ و قال: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [٥] ذهبت و اللَّه نفسي في سبيل اللَّه، أما من حيلة، أما من مغيث!؟ [٦] فلما وصلوا إليه أحجموا عن الإقدام، و جعل بعضهم يقول لبعض: تقدم. فأخذ محمد بيده وسادة و جعل يقول: ويحكم، إني ابن عم رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم )، و ابن هارون، و أخو المأمون، اللَّه اللَّه في دمي. فدخل عليه رجل يقال له: حميرويه [٧]- غلام لقريش الدنداني- فضربه بالسيف ضربة وقعت على مقدم رأسه، و ضرب وجهه بالوسادة التي كانت في يده، و دخل جماعة، فنخسه واحد منهم بالسيف في خاصرته، و ركبوه فذبحوه ذبحا من قفاه، و أخذوا رأسه، فمضوا به إلى طاهر، و تركوا جثته، فنصب طاهر الرأس
[١] في الأصل: «لشهوكته». و الزهوكة: الرائحة الكريهة.
[٢] الحراقة: نوع من السفن بها مرامي للنيران.
[٣] في الأصل: «إزار».
[٤] انظر: تاريخ الطبري ٨/ ٤٧٨- ٤٨٣.
[٥] سورة: البقرة، الآية: ١٥٦.
[٦] انظر: تاريخ الطبري ٨/ ٤٨٦- ٤٨٧.
[٧] في الطبري: «خمارويه».