المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٩٦ - ذكر العهد الّذي كتبه المأمون بخطّه لعلي ابن موسى الرّضا
فأجهد رأيه و نظره فيمن يوليه عهده، و يختاره لإمارة المسلمين و رعايتهم بعده، و ينصبه علما لهم [١]، و مفزعا في جمع ألفتهم، و لم شعثهم، و حقن دمائهم، و الأمن بإذن اللَّه من فرقتهم، و فساد ذات بينهم، و اختلافهم، و رفع نزغ الشيطان و كيده عنهم، و إن اللَّه عز و جل جعل العهد بعد الخلافة من تمام أمر الإسلام و كماله و عزه و صلاح أهله، و أنهم خلفاؤه من توكيده لمن يختارونه لهم من بعدهم ما عظمت به النعمة، و سلمت فيه العاقبة، و ينقض [٢] اللَّه بذلك الشقاق [٣] و العداوة، و السعي في الفرقة، و التربص للفتنة، و لم يزل أمير المؤمنين مذ أفضت إليه الخلافة، فاختبر بشاعة مذاقها، و ثقل محملها، و شدة مئونتها، و ما يجب على من تقلدها من ارتباط طاعة اللَّه و مراقبته فيما حمله فيها و أنصب بدنه، و أسهر عينه، و أطال فكره فيما فيه عز الدين، و قمع المشركين، و صلاح الأمة، و نشر العدل، و إقامة الكتاب و السنة، و منع ذلك من الخفض، و الدعة، و مهنأ العيش، علما بما اللَّه سائله عنه، و محبته أن يلقى اللَّه مناصحا في دينه و عباده، و مختارا لولاية عهده و رعاية الأمة من بعده أفضل ما يقدر عليه في دينه و ورعه، و أرجاهم للقيام بأمر اللَّه و حقه، مناجيا للَّه [٤] بالاستخارة في ذلك، و مسألته [٥] إلهامه ما فيه رضاه/ و طاعته في آناء ليله و نهاره، معملا في طلبه، و التماسه [٦] في أهل بيته من ولد عبد اللَّه بن العباس و علي بن أبي طالب، فكره و نظره، مقتصرا فيمن علم حاله، و مذهبه منهم على الحق علما بالغا في المسألة فيمن خفي عليه أمره، و جهده و طاقته، حتى استقضى أمورهم معرفة، و ابتلى أخبارهم مشاهدة، و كشف ما عندهم مساءلة، فكانت خيرته بعد استخارته للَّه، و إجهاد نفسه في قضاء حقه في عباده من البيتين جميعا:
علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، لما رأى من فضله البارع، و علمه الناصع، و ورعه الظاهر، و زهده الخالص، و تخلية من الدنيا،
[١] هكذا بالأصل، و في ت: «و مضيه و مفزعا».
[٢] في ت: «و يمض اللَّه بذلك».
[٣] في الأصل: «الفراق».
[٤] في الأصل: «مناجيا فيه».
[٥] في ت: «و يسأله إلهامه».
[٦] في الأصل: «و البأساء في أهل بيته».