المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٦ - ثم دخلت سنة أربع و تسعين و مائة
فوجه محمد جماعة ليناظروا في منعه ما قد سأل، و إنما وجّهوا ليعلم أنهم قد عاينوا و سمعوا، ثم يلتمس منهم أن يبدلوا أو يحرفوا [١]، فيكون عليهم حجة و ذريعة/ لما التمس.
فلما صاروا إلى حدّ الريّ [٢] وجدوا تدبيرا مؤيدا، و عقدا مستحكما [٣]، و أخذتهم الأحراس من جوانبهم. و كتب بخبرهم من مكانهم، فجاء الإذن في حملهم فحملوا محروسين لا خبر يصل إليهم، و لا خبر يخرج منهم، و قد كانوا على نيّة بذل الأموال و الولايات للمفارقين، فوجدوا ذلك ممنوعا، فوصلوا و معهم كتاب الأمين و فيه [٤]:
أما بعد، فإن الرشيد و إن كان أفردك بالطرف، و ضمّ إليك من الكور ما ضمّ، تأييدا لأمرك، فإن ذلك لا يوجب لك فضلة المال عن كفايتك، و الحق في الفضول أن تكون مردودة في أهلها، فكتبت تلطّ [٥] دون ذلك بما إن تمّ أمرك عليه صيّرنا الحقّ إلى مطالبتك.
فكتب المأمون: بلغني كتاب أمير المؤمنين، و لم يكتب فيما جهل فأسأل [٦] عن وجهه، و لم يسأل ما يوجبه حق فتلزمني الحجة بترك إجابته، فلا تبعثني يا ابن أبي على مخالفتك، و أنا مذعن بطاعتك.
فلما وصل الكتاب تغيظ الأمين، و كتب:
أما بعد، فقد بلغني كتابك غامطا لنعمة اللَّه عليك، متعرضا لحرّاق نار لا قبل لك بها، فأعلمني رأيك.
فقال المأمون لذي الرئاستين: إن ولدي و أهلي و مالي الّذي أفرده الرشيد لي بحضرة محمد- و هو مائة ألف ألف- و أنا إليها محتاج، فما ترى؟
[١] في الطبري «يبذلوا أو يحرموا».
[٢] في الأصل: «إلى حد الرأي».
[٣] في تاريخ الطبري: «مستحصدا».
[٤] انظر: تاريخ الطبري ٨/ ٣٨٠.
[٥] تلطّ: تجحد.
[٦] في الطبري: «فأكشف عن وجهه».