المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٥ - ثم دخلت سنة أربع و تسعين و مائة
و كان أول ما أخذ له البيعة بشر بن السميدع، و كان واليا على بلد، ثم أخذها صاحب مكة و صاحب المدينة على خواصّ من الناس قليل، دون العامة و نهى الفضل بن الربيع عن ذكر عبد اللَّه و القاسم، و الدعاء لهما على شيء من المنابر، و دس لذكر عبد اللَّه و الوقيعة فيه. و وجّه إلى مكة كتابا مع رسول من حجبة البيت في أخذ الكتابين اللذين كان هارون اكتتبهما، و جعلهما في الكعبة، فقدم بهما عليه، و تكلم في ذلك بقية الحجبة، فلم يحفل بهم، فلما أتاه بهما أجازه بجائزة عظيمة و مزّقهما [١].
/ و كان محمد قد كتب إلى المأمون قبل مكاشفة المأمون إياه بالخلاف يسأله أن يتجافى له عن كور من كور خراسان سمّاها له، و أن يوجّه العمال إليها من قبله، و أن يحتمل توجيه رجل من قبله يوليه البريد ليكتب إليه بخبره، فاشتد ذلك على المأمون، و شاور في ذلك الفضل بن سهل و أخاه الحسن، ثم كتب إليه:
قد بلغني كتاب أمير المؤمنين يسألني التجافي عن مواضع سمّاها مما أثبته الرشيد في العقد، و جعل أمره إليّ، و لو لم يكن ذلك مثبتا بالعهود و المواثيق المأخوذة، ثم كنت على الحال التي أنا عليها من إشراف عدوّ مخوف الشوكة، و جنود لا تستتبع طاعتها إلا بالأموال، لكان في ذلك نظر أمير المؤمنين لعامته، و ما يحبّ من لم أطرافه ما يوجب عليه أن يقسم له كثيرا من عنايته، و أن يستصلحه ببذل كثير من ماله، فكيف بمسألة ما أوجبه الحق، و وكد به مأخوذ العهد [٢].
و كان المأمون قد وجّه حارسه إلى الحدّ، فلا يجوز رسول من العراق حتى يوجهوه مع ثقات من الأمناء، و لا يستعلم خبرا و لا يؤثر أثرا فحصن أهل خراسان من أن يستمالوا برغبة و رهبة، أو يحملوا على مخالفة. ثم وضع على مراصد الطرق ثقات من الحراس لا يجوز عليهم إلا من لا يدخل الظّنّة في أمره [٣]، فيسلم ممن يدخل موغلا في هيئة السابلة و الطارئة. و فتّشت [٤] الكتب.
[١] تاريخ الطبري ٨/ ٣٧٤- ٣٧٧.
[٢] انظر: تاريخ الطبري ٨/ ٣٧٩.
[٣] في الأصل: «الظنة من أمره». و ما أثبتناه من الطبري.
[٤] في الأصل: «و فتش».