بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٩٧
على ما عرفت بها على تقدير العمل بها إلا أنها من جهة كثرة ورود التخصيص
عليها لا يعمل بها من دون جبر و هاهنا الحاصل بكثرة الخارج بعمل جمع من
الأصحابفي الموارد الشخصيّة و المفروض أن المشهور قد تركوا العمل بها في
المقام و أعرضوا عنها فكيف يتمسّك بها بل قد عرفت قدح إعراضهم في الرواية
الخاصّة فكيفبالعمومات الموهونة فافهم قوله
و لكن الإنصاف أن الرواية إلخ(١)
أقول
لا يخفى عليك الوجه فيما ذكره فإنه بناء على حمل القرعة على الاستحباب
تدلّالرواية على جواز الارتكاب من دون القرعة أيضا مع إبقاء مقدار الحرام
أولا معه و لكن يحمل عليه جمعا بينه و بين ما دلّ على عدم الإذن في
المخالفة القطعيّة للحرام الواقعيو من المعلوم أنه لا قول بالفصل في جواز
ارتكاب ما عدا مقدار الحرام بين مورد الرواية و غيره نعم بناء على حملها
على الوجوب لا يدلّ على أحد المذهبينحسبما عرفت القول فيه فعلى فرض الأخذ
بالرواية سندا مع حمل القرعة فيها على الاستحباب لا بد من القول بدلالته
على مطلب الخصم و أما على مذهب المشهورمن وجوب الاحتياط كليّة فلا بد من
طرح الرواية أو العمل بها في خصوص موردها و الله العالم هذا بحمل القول في
أصل المسألة و قد عرفت ما يجب سلوكهفيها و هاهنا وجوه أخر مذكورة في كتب
الأصحاب تمسّكوا بها لوجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة و إنما أعرضنا عن
ذكرها لضعفها تنبيهات في الشبهة المحصورة
في نقل كلام صاحب المدارك و صاحب الحدائق فيما يتعلق بالشبهة المحصورة
قوله
فإنه ذكر كلام صاحبالمدارك إلخ(٢)
أقول
أي ذكر كلاما لصاحب المدارك الذي ذكره في مقام تأييد ما قوّاه و ذهب إليه من عدم وجوب الاحتياط عن المشتبهين قوله
و فيه بعدمنع كون إلخ(٣)
أقول
لا يخفى عليك أنه يرد عليه أيضا أن ما ذكره الأصحاب من الفرض لا يلزم أن
يكون من باب الشبهة الغير المحصورة بل يعمّها و المحصورة فتدبّر ثمّ
إن الوجه في حكمهم بعدم وجوب الاحتياط في الفرض و أمثاله مثل ما ذكره
الأستاذ العلامة من فرض العلم بوقوع النجاسة إما في الإناء أو في ظهره
معأن بناءهم على وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة مطلقا سواء كان
المشتبهان مندرجين تحت حقيقة واحدة أو حقيقتين كما هو واضح لمن راجع إلى
كلماتهم هوما سيتلى عليك من أن الشرط في إيجاب العلم الإجمالي وجوب
الاحتياط هو كون جميع أطرافه محلاّ للابتلاء فلو خرج بعضها عن محل الابتلاء
لم يؤثر العلم المذكورفي إيجاب الاحتياط بل يكون حاله حال الشك الابتدائي
في كون الحكم فيه الرجوع إلى البراءة و كلامهم في بادي النظر و إن كان
مطلقا إلا أنه يعلم بعد التأمل التّامأن مرادهم ما ذكرنا لا الإطلاق و
ستقف على ما ذكرنا من التوجيه في كلام الأستاذ العلامة أيضا قوله
كما يدلّ عليه تأويلهم بصحيحة إلخ(٤)
أقول
و هي ما عن رجلامتخط فصار الدم قطعا صغارا فأصاب إناءه هل يصلح الوضوء
منه فقال إن لم يكن شيء يستبين في الماء فلا بأس الحديث و استدل به الشيخ
على عدم تنجيس مالا يدركه الطرف من النجاسة مطلقا كما عن ط أو خصوص الدم
كما عن الإستبصار و أجاب المشهور عنه بأن المراد من عدم الاستبانة في الماء
هو عدم العلم بإصابته بالماءلا عدم إدراك الطرف له مع القطع بوصوله و في
السؤال إنما فرض إصابته الدم بالإناء و هي أعم من إصابته بمائه فلا تدل على
المدّعى قوله
أمّا أوّلا فلعموم الأدلّةالمذكورة إلخ(٥)
أقول
قد عرفت مرارا أن الدليل على وجوب الاجتناب عن المشتبهين إنما هو حكم
العقل بعد فرض شمول الخطاب الواقعي لا نفس الخطاب الموجودفي الأدلّة و لكن
يمكن إرجاع ما أفاده إلى ما ذكرنا قوله
و أما ثانيا فإنه لا ضابطة إلخ(٦)
أقول
يمكن أن يقال إن الضابط عنده هو اشتراكهما في عنوان قريب وصدقه عليهما
كالإناء في الإناءين و الماء في المائين و الثوب في الثوبين و الأرض في
قطعتين منها إلى غير ذلك ثم قد يقال علي ما ذكره دام ظله ثانيا بأن مجرد
عدم وجودالضابط التميّز به الأفراد المشكوكة لا يقدح في أصل التفصيل الذي
ذكره على فرض دلالة دليل عليه فليؤخذ بمقتضاه فيما هو متّضح الفرديّة و
يرجع في المشكوك إلىالأصول و القواعد فتدبّر قوله
و الأقوى أن المخالفة القطعيّة إلى آخره(٧)
أقول
قد أسمعناك سابقا أن الظاهر من جماعة من متأخر الأصحاب منهم بعض أفاضل من
عاصرناههو التفصيل في الشبهة المحصورة بين كون الخطاب المعلوم وجود
متعلّقه بين الشيئين أو الأشياء المحصورة مفصّلا أو مردّدا بين الخطابين
فحكموا بوجوبالاجتناب عن جميع أطراف الشبهة في الأول و جوزوا المخالفة
القطعيّة في الثاني تمسّكا بأن حسن المؤاخذة إنما هو فيما توجه خطاب تفصيلي
إلى العبد من المولى و لوكان متعلّقه مرددا بين الشيئين مثلا و أمّا لو لم
يوجد ذلك فلا فإذا شرب ما يعين يعلم بأن أحدهما إمّا نجس أو مال الغير كان
معذورا لأنه لم يعلم بتوجّه خطاب النجسإليه حتّى يبنى على امتثاله و لا
يتوجّه خطاب حرمة التصرّف في مال الغير إليه حتى يبنى على امتثاله فالعقاب
على ما صادف منهما الواقع عقاب على أمر مجهول فيرجع إلى العقاب من غير بيان
الذي يستقل العقل بقبحه فإن قلت
إذا علم بحرمة أحد الشيئين و لو باعتبار العلم بتعلّق أحد الخطابين به فقد
علم بوجوب الاجتناب عنه من قبل الشارع تفصيلا فالخطاب المعلوم أولا و إن لم
يكن خطاباتفصيليّا إلاّ أنه ينتقل منه إلى خطاب تفصيليّ قلت
نمنع الانتقال منه إلى خطاب تفصيلي خاطب به الشارع و إنما ينتزع من الخطاب
المردد خطاب تفصيليفلا عبرة به قطعا هذا و لكن قد عرفت فيما تقدّم أن ما
حققه الأستاذ العلامة هو الحق الذي يتعيّن المصير إليه و الحكم به لأن
الحاكم في مسألة قبح العقاب في صورةالجهل و حسنه في صورة العلم و لو إجمالا
إنما هو العقل و بناء العقلاء الكاشف عنه و لا ريب عند من راجع الوجدان
كون العقل مستقلا في الحكم بحسنالعقاب في صورة العلم بتعلّق خطاب بالمكلف و
لو كان مردّدا بين الخطابين سواء كانا من جنس واحد أو من جنسين كالوجوب و
التحريم بل قد عرفت في طيّ كلماتناالسابقة في الشك في التكليف حكم العقل
بحسن العقاب في بعض صور الشكّ في التكليف أيضا كما في البناء على البراءة
قبل الفحص في الشبهة الحكمية فكيف فيماكان هنا علم بالخطاب و يدلّك على ما
ذكرنا و يوضح لك الأمر ما ذكره دام ظله من فرض وحدة متعلّق الخطاب المردد
فإن لازم المفصل أن يقول بجواز الرجوعإلى البراءة فيه أيضا لجريان ما ذكره
في الشبهة المحصورة بعينه في الفرض أيضا كما لا يخفى حيث إن القادح في
وجوب الاحتياط عنده و المجوّز للرجوع إلى البراءة فيما