بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٩٠
لا يخفى عليك أن ما ذكره دام ظله هنا مناف لما سيبنى عليه من عدم جواز
المخالفة القطعيّة في الشبهة الغير المحصورة أيضا من حيث استقلال
العقلبقبح تجويز المخالفة القطعيّة للتكليف المعلوم بالإجمال من غير فرق
بين الشبهتين نعم
لو قلنا بأن العلم الإجمالي في الشبهة الغير المحصورة غيرمؤثر في تنجز
الخطاب في نظر العقلاء فيكون كالشكّ البدوي استقام ما ذكره هنا و لكن بناؤه
ليس عليه حسبما ستقف عليه فلعلّ ما ذكره مبني علىما عليه المشهور إذ
كلامه في المقام ليس في تحقيق المسألة بل مسوق لبيان فساد القياس و أنّ في
الشبهة الغير المحصورة وجها يقتضي عدم تأثير العلم الإجماليفي عدم تنجّز
الخطاب بالواقع و كونها كالشبهة الابتدائية المجرّدة كما يدلّ عليه قوله
فيجيء وجه جواز المخالفة فيها فافهم و على كل تقدير القياس بالشبهةالغير
المحصورة في غير محلّه كما لا يخفى ثمّ
إن الجواب عن التنظير بالتخيير الاستمراري و الشبهة الغير المحصورة الذين
ذكرهما السائل في السؤال الثالثعلم من مطاوي كلمات الأستاذ العلامة إلا أن
الجواب عن التنظير بالإذن في الشبهة المجرّدة التي يعلم المولى باطّلاع
العبد بالوقوع في الحرام بعدالارتكاب لم يعلم من كلامه و كأنه لغاية وضوحه
أعرض عنه حيث إن المانع من الإذن فيما يدّعي المانع منه ليس إلا كونه إذنا
في المعصية في نظر المكلّف للتكليفالذي حكم العقل بوجوب إطاعته و معلوم أن
هذا المناط غير موجود في الشبهة المجرّدة في أن الحكم الظاهري في حق أحد هل له واقعيّة في حق الغير أم لا
قوله
إلا إذا قلنا بأن ما يأخذه كل منهما إلخ(١)
أقول
حاصل ما ذكره دام ظله يرجع إلى كون الحكم الظاهري في حق كل أحد مما يجب على
الغير الالتزام به بحسب الواقع بمعنى ترتيب آثار الحكم الواقعي عليه مالم
يعلم تفصيلا خلافه و هذا المعنى و إن قام الدليل عليه عندنا في الجملة إلا
أنه ليس الأمر كذلك في جميع المقامات و لذا لا يجوز الاقتداء بواجدي المني
فيصلاة واحدة بل في صلاتين أيضا و منه يظهر أنه لو قيل بعدم الموضوعيّة في
باب الأملاك كما هو الحق لم يجز للحاكم أخذ العين و القيمة من المقرين
لهما كغيرهنعم له الحكم بأخذهما لهما عن المقر كما أنه لا يجوز له الصلاة
خلف واجدي المني و إن أفتى بجواز الصّلاة لهما و صحّتها قوله
أو يحمل على حصول الشركة إلخ(٢)
أقول
لا يخفى عليك أن لازم حصول الشركة بالاختلاف في المقام هو صيرورة الثلث من
الدرهمين لمالك الواحد و الثلثين لمالك الاثنين فكيف يستقيم ماأفاده من
التقسيم فاللازم الحكم بتقسيم الدرهمين الباقيين أثلاثا فافهم فالأولى
الالتزام بكونه صلحا يحكم مالك الملوك هذا و تفصيل الكلام فيمايتعلق
بالمقام نقضا و حلا قد تقدّم في الجزء الأول من الكتاب مع ما عقلنا عليه
فإنه دام ظله قد استوفى الكلام فيه حق الوفاء و من أراده فليرجع إليه قوله
خصوصا إذا قصد من ارتكاب إلخ(٣)
أقول
قد يورد على ما ذكره دام ظله بأنه ليس خصوصيّة لما ذكره فإنه إن كان العلم
الإجمالي منجّزا للخطابالمعلوم بالإجمال في نظر العقل فارتكاب المشتبهين
مما لا يجوز عند العقل سواء قصد من ارتكابهما تحصيل العلم بالوصول إلى
الحرام أو ارتكبهما من غير هذاالقصد و إن لم يكن منجّزا للخطاب المعلوم
بالإجمال عنده فلا وجه للالتزام بعدم جواز ارتكابهما إذا قصد منه التوصّل
إلى الحرام نعم
لا إشكال أنه علىالتقدير الأول يكون ذم القاصد أشدّ عند العقلاء لكنه
نظير الذم على المتجرّي لا يوجب شيئا عند الأستاذ العلامة و دعوى قبح
الارتكاب على تقديرقصد التوصّل عند العقلاء مع قطع النظر عن التزامهم
بإيجاب العلم الإجمالي تنجز الخطاب مطلقا كما ترى و منه يظهر صحة ما ذكره
بعض أفاضل من تأخر من إلزامالقائل بالجواز بإفضاء قوله إلى جواز التوصل
إلى فعل جميع المحرّمات على وجه مباح بأن يجمع بين الحلال و الحرام
المعلومين تفصيلا على وجه يوجب الاشتباهحتى بالنسبة إلى المثال الذي ذكره
من الجمع بين الأجنبيّة و الزوجة ضرورة أنه بعد القول بعدم تأثير العلم
الإجمالي في تنجز الخطاب عند العقل لم يفرّق فيه منالأمثلة غاية ما في
المثال أن يقال إن اهتمام الشارع في حفظ الأنساب يمنع عن الجمع فيه و هو لا
يصلح للمنع لأن ما ذكر حكمة لم يقم دليل على وجوب مراعاتهادائما هذا و لكن
لا يخفى عليك أنه يمكن القول بعدم صحة ما ذكره هذا الفاضل على تقدير
البناء على جواز الارتكاب في الشبهة المحصورة و عدم الالتزامبالإطاعة رأسا
و إن كان الارتكاب مع قصد التوصّل أيضا حيث إن الجمع على النحو الذي ذكره
مع ارتكاب المشتبهين مخالفة عند العقلاء للخطاب التفصيليالمتعلق بالأمر
المعلوم قبل إيجاد الاشتباه لكنه كما ترى لا تعلق له بما أفاده الأستاذ
العلامة من قصد التوصّل في أنه لا فرق بين الخطاب الواحد و المردد بين العنوانين
قوله
كما مثّلنا سابقا إلى آخره(٤)
أقول
لا يخفى عليك أن التمثيل بالمثال الذي ذكره لم يسبق منه دام ظله في هذا
الجزء من الكتاب فلعلّه أراد سبقه في الجزء الأول منه و كيف كان لا
إشكالفي صحّة ما ذكره دام ظلّه و إن خالف غير واحد منهم بعض الأفاضل ممن
قارب عصرنا نظرا إلى أن الشك بالنسبة إلى كل من الخطابين يرجع إلى الشك
الابتدائيلفرض عدم العلم بوجود متعلّقه و النهي عن العنوان المردّد بين
العنوانين أيضا لم يقع في أحد من الأدلّة فلا مانع من البناء على الرجوع
إلى الأصل في المقام هذاو لكنك خبير بفساد هذه المقالة و اندفاع هذه الشبهة
لأن الحاكم في مسألة الإطاعة و المعصية و في مسألة تأثير العلم الإجمالي
ليس إلا العقل و نحن نرىبالمشاهدة و العيان استقلال العقل بعدم الفرق في
الحكم بوجوب الإطاعة بعد العلم بوجود متعلّق الخطاب الشرعي إجمالا بين كون
الخطاب مردّدابين الخطابين و بين كونه مفصّلا مميّزا عما عداه و يوضح ما
ذكرنا غاية الإيضاح ما ذكره الأستاذ العلامة من فرض الكلام في شيء واحد
مرددا أمره بين كونه أحدالعنوانين الذين نهى الشارع عنهما فإن ما ذكر من
الدليل بعينه جار فيه أيضا مع أن ضرورة العقل يحكم بعدم جوازه و ليس الفرق
بينه و بين المقام إلا تردّد العنوانالمردّد بين العنوانين و عدمه و
المفروض أن تردّد المتعلّق لا أثر له عند العقل في زعم هذا القائل في حكمه
بتنجز الخطاب فلم يبق إلا تردّد عنوان الحرام و لهذا