بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٩
المتقدّمة هذا على تقدير عدم دليل على وجوب الاحتياط مطلقا حتى في الشبهات البدوية و أما على تقدير قيام دليل عليه فيمكن جعلالحديث مخصّصا له بما إذا كان هناك علم إجماليّ بالتكليف فيخرج عن المعنى الذي ذكرنا أعني حكومة الحديث على أدلّة أحكام الموضوعاتهذه غاية ما يقال في الجواب عن السّؤال و شرح ما أفاده في المقام و إن بقي في النفس مع ذلك شيء ثمّ إنه قدس سره فرّع على ما أفاده من الجوابعن السؤال بأن المرفوع أوّلا و بالذات حكم شرعي يترتّب عليه رفع الأمر الغير الشرعي دفع الإيراد الموارد على المتمسّك بالحديث الشريف في الحكم بصحّةالعبادة المنسيّ عنها بعض أجزائها أو شرائطها من حيث إنّ وجوب الإعادة إن سلّم كونه أمرا شرعيّا مترتّب على مخالفة المأتي به للمأمور به وهي ليست أمرا شرعيّا فلا يجوز التمسّك بالحديث الشريف لإثبات الصحّة عند نسيان بعض ما يعتبر في العبادة لما عرفت من أن المرفوع أوّلا وبالذات لا بد أن يكون شرعيا ببيان أن المرفوع أولا و بالذات في المقام أمر شرعيّ أيضا يترتب عليه ارتفاع سبب الإعادة و هي شرطية المنسيّأو جزئيّته فيصحّ التمسّك بالحديث الشريف و جعل الأصل بمقتضاه الحكم بصحّة العبادة مع نسيان بعض أجزائها أو شرائطها كما صنعه بعض الأصحابثمّ أمر بالتأمّل و بيّن الوجه فيه في مجلس البحث و جعله كون الشرطيّة و الجزئيّة من الأحكام الوضعيّة التي ليست مجعولة عنده وفاقا للمحققينفالإيراد في محلّه و دعوى أنها و إن كانت غير مجعولة لكنّها منتزعة عن الأحكام التكليفيّة فالمرفوع أوّلا و بالذات الأمر بالمركّب المشتمل عليهما ويترتّب على رفعه ارتفاع المخالفة المذكورة فاسدة جدّا لأن مجرّد ارتفاع الأمر بالمركّب المشتمل عليهما لا يقتضي تعلّق الأمر بالمركب الخالي عنهمابل التّحقيق كما ستقف على تفصيل القول فيه عند الكلام في تنبيهات الأقلّ و الأكثر امتناع التنويع بحسب الذكر و النسيان فلا يفيد مجرّدارتفاع الأمر عن التام في الحكم بإجزاء الناقص و كفايته عند الذكر هذا و لكن يمكن أن يناقش في وجه التأمّل بأن المراد من الشرطيّة و الجزئيّة فيالمقام هو المقدميّة و هي ليست أمرا اعتباريّا بل التحقيق كونه منشأ للأمر الغير المتعلّق بالجزء و الشرط و النفسي المتعلّق بالمركب المشتمل عليهما إلاّ أنّهلا ينفع في الحكم بصّحة العبادة في الفرض أيضا لما عرفت من امتناع التنويع بحسب حالتي الذكر و النسيان هذا بعض الكلام فيما يتعلّق بهذا المقامو سنوقفك على تمامه عند البحث في فروع الأقلّ و الأكثر في أين المراد من الرّفع معنى يشمل الدفع الثالث أنه قد يستظهر من الحديث الشريف على ما عرفت الإشارة إليه كونصدق الرفع موقوفا على وجود دليل يقتضي ثبوت المرفوع بعنوان العموم لكن ذكر شيخنا قدس سره أن المراد من الرّفع ما يشمل الدفع فيكفي في صدقهمجرّد وجود المقتضي لثبوته و إن لم يكن عليه دليل لكن إحراز المقتضي مما لا بدّ منه فلو كان هناك حكم متعلّق في ظاهر دليله بحالة العمد مثلا و علمنابوجود المقتضي لثبوته في حالة النسيان يكشف ذلك عن كون التخصّص في دليل الحكم من جهة رعاية ما بيّنه الشارع في حديث الرفع و إن لم يكنالحكم بارتفاعه في الفرض محتاجا بحديث الرفع فتأمّل و من هنا اكتفي بوجود المقتضي للاحتياط في صورة الشكّ من غير أن يكون عليه دليلعلى ما عرفت الكلام فيه فتدبّر في أن حديث الرّفع لا يرفع الضّمان الرّابع أن الحديث الشريف على ما عرفت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا لما كان واردا في مقام الامتنانبالنظر إلى سياقه فلو قيل بعموم المرفوع فلا بد أن يحكم باختصاصه بما لا يكون في رفعه ما ينافي الامتنان على الأمة فإتلاف المال المحترم نسيانا أوخطأ لا يرفع معه وجوب الغرامة و الضمان لأن رفعه ينافي الامتنان على مالكه و إن كان فيه امتنان على المتلف و كذلك إتلافه و أكله في مقام الاضطرارو الضرورة لا يرفع معه وجوب الغرامة و الضمان فيجمع بين الحكم بجواز أكله في مقام الاضطرار و الضمان بمقتضى ما دلّ على سببيّة الإتلاف للضمان بللو توجّه ضرر إلى مسلم لا يجوز صرفه عن نفسه بإضرار الغير نعم لو توجّه ضرر إلى الغير ابتداء لم يجب صرفه عنه تحمل الضرر ففي موارد الإكراهبإضرار الغير يحكم بجوازه من حيث إن الضرر متوجّه إلى الغير ابتداء بمقتضى إرادة المكره بالكسر لا إلى المكره بالفتح فلا يجب عليه تحمّل الضرر إلاّ فيمادل دليل عليه كما في الدماء و سبّ الأولياء صلوات اللّه عليهم و إن كان مقتضى غير واحد من الأخبار جواز السّب لدفع الضرر و القتل دون البراءةعنهم و أفتى به جمع من الأصحاب و تحقيق المسألة يطلب من الفقه الخامس أن الظاهر من الحديث الشريف بعد حمله على الرفع الشرعي و أنّالمرفوع حكم شرعيّ على كلّ تقدير و قول حتى على القول باختصاصه برفع استحقاق العقوبة و المؤاخذة كون الطيرة و الحسد و إن لم يظهره الحاسدو الوسوسة في التفكّر و إن لم يظهرها المتفكّر من المحرّمات في الأمم السّابقة نظرا إلى إمكان رفعها بتزكية النفس بل ظاهر جملة من الآيات و كثير منالروايات و بعض الكلمات كون الحسد حراما مطلقا في هذه الشريعة أيضا و إن لم يكن من الكبائر قبل الإظهار و كيف كان ظاهر الرواية كونهامنهيّا عنها في الأمم السابقة و ربما يكشف عنه ما ورد في باب الطيرة أنها شرك و إنما يذهبها التوكّل من حيث إنّها مبنيّة على الاعتقاد بوجودتأثير نفس التطيّر أو ما يتطيّر به و هو مناف لبعض مراتب التوحيد و إن لم يناف التوحيد المعتبر في الإيمان لعدم الاعتقاد بتأثيرها استقلالاحتى ينافيه و إذهاب التوكل لها من حيث إنه بالتوكل على اللّه تعالى يرفع أثرها كما هو مقتضى كثير من الأخبار فيعلم أن تأثير المؤثرات بإرادة اللّه تعالىو مشيّته فليس التأثير من لوازم ذاتها و هذا مثل تأثير العين الوارد لرفعه و الحفظ عنه المعوّذات المأثورة حتى في باب تأثيرها في صاحبها كما ربما