بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٩٨
من الجهتين لا يمنع من التشبيه من الجهة المقصودة و هنا وجه آخر له غير ما عرفت من الوجهين و هو أنه كثيرا ما يحصل العلم بالفروع من الضرورة ونحوها من الأسباب القهريّة دون إعمال قوّة نظرية أو الفحص عن الحكم و هذا بخلاف مسألة النبوّة فإن طريقها منحصر في الإعجاز و لا يحصل العلم بهإلا بعد النظر فلا يمنع العقل من الترخيص و الرجوع إلى البراءة في حق الجاهل في المقام بخلاف مسألة الجهل بالنبوّة فإن ترخيص الرجوع إلى البراءة فيهاموجب لسدّ باب إثبات النبوات و هذا الوجه من الفرق و إن كان جيّدا كالفرقين السّابقين إلا أنه يمكن القول بعدم منعه عن تشبيه المقام بالمسألةالمذكورة أيضا فإن الغرض كون مبنى حكم العقل في المقامين على وجوب دفع الضرر المحتمل لا الحكم باتحادهما من جميع الجهات فتأمل لا يقال ادّعاءعدم جريان عادة الله على خلق العلم القهري في نفوس الخلائق بصدق مدعي النبوة و انحصار الطريق في الإعجاز إنما يتم بالنسبة إلى من تأخّر من الأنبياءلا بالنسبة إلى النّبي السابق و أول الأنبياء ضرورة أنه لا يتصوّر هنا تكرّر حتى يدّعى بالنسبة إليه عادة فكيف تصح الدعوى المذكورة بإطلاقها لأنّا نقول المراد من العادة في المقام ليس ما سبق إلى بعض الأوهام من معناها المعروف الحاصل من التكرّر بل المراد منها عدم تعلق إرادة اللّه تعالى على خلقالعلم القهري في النفوس بصدق مدّعي النبوة أو كذبه و إلا لم يجهل أحد بخلافه و هو خلاف المعلوم بالضرورة و الوجدان لا يقال إن معاصريالنبي السّابق لا طريق لهم في الحكم بالانحصار أصلا لاحتمال كون الطريق لهم خلق العلم القهري إذ لم يثبت لهم نبوة أحد حتى يستدلّ بجهلهم بحالمدّعي النبوة على نفي الطريق المذكور و كونه منحصرا في الإعجاز لأنا نقول بعد استقلال العقل في الحكم بعدم جواز خلوّ الزمان من حجة نبيّ أووليّ شاهد أو غائب بمقتضى اللطف الواجب على الحكيم تعالى و من هنا جعل أول خلقه نبيّا و خليفة في الأرض على نبيّنا و آله و عليه الصلاة و السّلاملا سبيل إلى السؤال المذكور أصلا كما لا يخفى فتأمّل ثمّ إن مبنى الوجه المذكور و هو حكم العقل بعدم معذوريّة الجاهل في المقام كما عرفت لماكان على حكمه بلزوم دفع الضرر المحتمل و كان حكم الشارع بالترخيص الظاهري عند اشتباه الحكم الشرعي على تقدير شموله لما قبل الفحص رافعا لموضوعالحكم العقلي المزبور لم يكن بدّ من إثبات عدم شمول الدليل النقلي على البراءة للمقام و من هنا قال شيخنا قدس سره في الكتاب و النقل الدال على البراءة فيالشبهة الحكميّة معارض إلى آخره و ما أفاده قدس سره من حمل الدليل النقلي على البراءة على صورة العجز عن تعلّم حكم الواقعة فلا يدل على البراءة قبل الفحص بقرينةما دل على وجوب الاحتياط عند التمكّن من سؤال حكم الواقعة و إزالة الشبهة مثل صحيحة عبد الرحمن المتقدّمة و نحوها بناء على بعض الاحتمالاتالتي عرفتها سابقا و ما دلّ على وجوب التوقّف بظاهره بناء على ما أفاده من الجمع و إن كان في كمال الجودة إلا أنه لما كان مبنيّا على وجه غير نقي عنالمناقشة كان الأولى منه منع شموله لما قبل الفحص بعد ملاحظة كون بناء الشارع على تبليغ الأحكام على الوجه المتعارف على ما عرفت و من هنا وقعالتصريح في غير واحد من الأخبار بالطلب و البحث فتأمل في أنّ مقتضى الوجه الرابع دخول تمام الشبهات البدويّة تحت عنوان الشكّ في المكلّف به الرّابع حصول العلم الإجمالي لكل مكلّف بالواجبات و المحرّمات في الوقائع المحتملة للتكاليفالإلزاميّة التي هي موارد الرجوع إلى البراءة على وجه شبهة الكثير في الكثير الملحقة بالشبهة المحصورة حكما و إن خرجت عنها موضوعا فلا يجوزالرجوع إلى البراءة قبل الفحص عن حال الواقعة لا يقال مقتضى ما ذكر من الوجه و جعل كل شبهة ابتدائيّة من الشبهة المقرونة بالعلم الإجماليبالملاحظة المذكورة فيدخل في الشكّ في المكلّف به حقيقة مع دوران الأمر بين المتباينين و من المعلوم ضرورة عدم الجدوى للفحص فيه إذحكمه قبل الفحص و بعده لزوم الاحتياط من غير فرق بينهما فيخرج عن موضوع البراءة بهذه الملاحظة و لذا يحكم بالاحتياط في دوران الأمر بين القصرو الإتمام و نظائره من غير فرق بين قبل الفحص و بعده فإن شئت قلت إن مجرى البراءة الشك في التكليف لا المكلّف به فالعلم الإجمالي المذكور يوجبخروج الوقائع المشتبهة عن مجرى البراءة لحصول الغاية و هي العلم بالتكليف لا الفحص عن الإلزام حتى يرجع بعد اليأس عنه إلى البراءة فهذا الوجه أجنبيّعن المقام أصلا و رأسا بل هو قادح و مضرّ بالمدّعى كما لا يخفى لأنّا نقول المعلوم بالإجمال وجود الواجبات و المحرّمات فيما بأيدينا منالأدلّة بحيث يعلم بالوقوف عليها بعد الفحص عنها فيها لا وجودهما في الواقع كيف ما اتّفق لأن العلم به إنما حصل من ملاحظة الأدلّة فلا يجوز الرجوعإلى البراءة قبل الفحص عن الحكم الإلزامي في مضامين الأدلّة لاحتمال الاطلاع عليه بعد الفحص فيها و أمّا بعد الفحص فلا مانع من الرجوع إليها كماهو واضح لا يقال بعد تخصيص المعلوم بالإجمال بما ذكر إن حصل من الفحص العلم بعدم تعلّق الحكم الإلزامي بالواقعة التي تفحص عن حكمها فلامعنى للرجوع إلى البراءة فيها و إن لم يحصل العلم منه بعدم تعلّقه بل كان المكلّف شاكّا في حكم الواقعة المذكورة فلا معنى للرجوع إلى البراءة أيضا بعدكون الواقعة من أطراف العلم الإجمالي و إلا جاز الرجوع إليها قبل الفحص أيضا و هو خلف فيرجع الأمر إلى ما ذكرنا من عدم كون الوجه المذكور من وجوهالمدّعى بل هو قادح فيه لأنا نقول الرجوع إلى البراءة بعد الفحص فيما بقي بعده شكّ إنما هو من جهة الاحتمال الخارج عن أطراف العلم الإجمالي فالفحصإنما يوجب خروج الواقعة عن أطراف العلم الإجمالي لا العلم بعدم تعلّق الحكم الإلزامي بها في نفس الأمر حتى يخرج عن مورد البراءة هذه غاية ما يقال فيتقريب الاستناد إلى الوجه المذكور في المقام و لكنّه كما ترى غير نقيّ عن المناقشة جدّا أمّا أوّلا فلأن العلم بوجود الواجبات و المحرّمات في الوقائع