بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢١٨
و إن كان مشتملا على بعض عباراته فربما يتخيّل الناظر إلى ما نقلوه صدور الاشتباه منه و جعل أصل البراءة أعمّ من أصالة النفي و أصالة عدم تقدمالحادث أنه أو تمحّل و تكلّف و جعل أصالة عدم البلوغ أو عدم تقدّم الكرّ نظير أصل البراءة في كلامه فلا بدّ أولا من نقل كلامه المتعلّق بالمقام بألفاظه ثمّبيان المراد منه ثم تعقيبه بذكر ما يتطرّق إليه من المناقشات قال قدس سره بعد بيان معنى الأصل و إطلاقاته و ذكر جملة من الأصول ما هذا لفظه و اعلم أنّهنا قسما من الأصل كثيرا مّا يستعمله الفقهاء و هو أصالة عدم الشيء و أصالة عدم تقدّم الحادث بل هما قسمان و التحقيق أن الاستدلال بالأصل بمعنىالنفي و العدم إنّما يصحّ على نفي الحكم الشرعي بمعنى عدم ثبوت التكليف لا على إثبات الحكم الشرعي و لذا لم يذكره الأصوليّون في الأدلّة الشرعيّة و هذا يشتركفيه جميع أقسام الأصول المذكورة مثلا إذا كان أصالة البراءة مستلزمة لشغل الذمّة من جهة أخرى فحينئذ لا يصحّ الاستدلال بها كما إذا علم نجاسة أحد الإناءينو اشتبه بالآخر فإنّ الاستدلال بأصالة عدم وجوب الاجتناب من أحدهما بعينه لو صحّ يستلزم وجوب الاجتناب من الآخر و كذا في الثوبينالمشتبه طاهرهما بنجسهما و الزوجة المشتبهة بالأجنبيّة و الحلال المشتبه بالحرام المحصور و نحو ذلك و كذا أصالة العدم كأن يقال الأصل عدمنجاسته هذا الماء أو هذا الثوب فلا يجب الاجتناب عنه إلا إذا كان شاغلا للذمّة كأن يقال في الماء الملاقي للنجاسة المشكوك كريّته الأصل عدم بلوغهكرّا فيجب الاجتناب عنه و كذا في أصالة عدم تقدّم الحادث فيصحّ أن يقال في الماء الذي وجد فيه نجاسة بعد الاستعمال و لم يعلم هل وقعت النجاسة قبلالاستعمال أو بعده الأصل عدم تقدّم النجاسة فلا يجب غسل ما لاقى ذلك الماء قبل رؤية النجاسة و لا يصحّ إذا كان شاغلا للذمّة كما إذا استعملناماء ثمّ ظهر أن الماء كان قبل ذلك نجسا ثم طهر بإلقاء كرّ عليه دفعة و لم يعلم أن الاستعمال كان قبل تطهيره أو بعده فلا يصحّ أن يقال الأصل عدم تقدّمتطهيره فيجب إعادة غسل ما لاقى ذلك الاستعمال لأنه إثبات حكم بلا دليل فإن حجيّة الأصل فيالمنفي باعتبار قبح تكليف الغافل و وجوب إعلام المكلّف بالتكليف فلذا يحكم ببراءة الذمّة عند عدم الدليل فلو ثبت حكم شرعيّ بالأصل لزم إثباتحكم شرعي من غير دليل و هو باطل إجماعا انتهى كلامه رفع مقامه في المقام و قال في ذيل مسألة البراءة و اعلم أن لجواز التمسّك بأصالة براءة الذمّةو بأصالة العدم و بأصالة عدم تقدّم الحادث شروطا أحدها ما مرّ من عدم استلزامه لثبوت حكم شرعي من جهة أخرى انتهى ما أردنا نقله من كلامهرفع مقامه و جعله أصالة تقدّم الحادث قسما في مقابل أصل العدم إنما هو بملاحظة كون جريان الأصل فيما كان الشكّ في أصل وجود الشيء و في الثانيفيما كان الشكّ في صفته من حيث التقدّم و التأخر بحسب زمانه أو بالإضافة إلى موجود آخر و إن كان في الحقيقة قسما من الأوّل حيث إنّ الأصل يجريحقيقته في وجوده فيحكم بعدمه في زمان الشكّ و مراده ممّا أفاده قدس سره من أن الثابت بالأصلين و بسائر الأصول العدميّة من البراءة و غيرها هو مجرّدالنفي دون الإثبات هو أن مفادها في حكم الوجدان و الشرع ذلك ليس إلاّ حيث إن معنى حكم الشارع بالبناء على عدم الشيء عند الشكّ في وجودههو الحكم بعدمه عند الشكّ لا الحكم بوجود شيء آخر و إن كان لازما له و كذلك حكمه بالبناء على براءته عن التكليف المشكوك ليس إلاّ مجرّد الحكم بعدم وجوبهعلى المكلّف لا وجوب شيء آخر عليه فلو كان الحكم بعدمه ملازما لوجود آخر فلا بدّ من عدم الحكم بالعدم كما في الشبهة المحصورة و لأجله لم يذكره الأصوليّون في عداد أدلّةالأحكام حيث إن عدم الأحكام ليس حكما شرعيّا حتى يجعل مثبتة دليلا على الحكم كما هو ظاهر فالحكم بعدم تقدّم النجاسة على الاستعمال من جهة الأصل للحكمبعدم وجوب غسل الملاقي صحيح و أمّا الحكم بعدم تقدّم المتطهّر للحكم بوجوب إعادة غسل الملاقي فغير صحيح من حيث لزومه الإثبات و شغل الذمّة هذاكلامه و محصّل مرامهفي المناقشات المتوجّهة على ظاهر كلام الفاضل التوني قدّس سرّه و لكنك خبير بأن ما ذكره قدس سره بظاهره لا يخلو عن مناقشة فإنه إذا فرض هناك حكم شرعيّ مترتّب على مجرى الأصول المذكورة و غيرهامن الأصول العدميّة ترتّبا أوّليّا بحيث كان محمولا عليه شرعا من دون توسيط أمر آخر فأيّ مانع من الحكم بترتيبه ظاهرا بعد البناء على العدم و أيّفرق بين الأصل الوجودي و العدميّ في ذلك فإنه لا معنى لحكم الشارع بالبناء على عدم الشيء في مرحلة الظاهر إلا جعل آثاره الشرعيّة في هذه المرحلة و لميكن له معنى غير ذلك كما أنه لا معنى لحكم الشارع بالبناء على وجود الشيء إلاّ جعل آثاره الشرعيّة في مرحلة الظاهر إذا لم يكن نفسه من المجعولات الشرعيّة و جعلنفسه في مرحلة الظاهر إذا كان منها و إلا فلو فرض هناك أمر عدميّ ليس له أثر شرعي أصلا لم يكن معنى لجريان الأصل فيه أصلا كما هو الشأن في الوجوديأيضا إذا لم يكن حكما شرعيّا نعم لو كان هناك حكم مترتّب على ما يلزم مجرى الأصل العدمي لم يحكم بترتّبه عليه على القول بعدم اعتبار الأصول المثبتة سواءكان عدميّا كعدم وجوب الاجتناب أو وجوديّا كوجوب الاجتناب و الحاصل أنه إن أراد ممّا ذكره عدم ترتّب الحكم الشرعي الوجودي على الأصل العدميمطلقا و إن كان من القسم الأوّل كما يظهر من كلامه و تأييده ذلك بعدم ذكر الأصوليّين لها في عداد أدلّة الأحكام نعم يترتّب عليه الأمر العدمي كعدم وجوبالاجتناب ففيه ما عرفت من أنه لا محصّل له أصلا نعم لو كان هناك أصل في مرتبته بحيث يلزم من العمل بهما مخالفة عمليّة للخطاب المعلوم بالإجماللم يحكم بجريانهما على أحد المسلكين في الشبهة المحصورة كما هو المختار عندنا على ما عرفته في محلّه أو يحكم بتعارضهما و تساقطهما و الرجوع إلى غيرهما على المسلكالآخر و هذا لا تعلّق له بعدم الجريان على الإطلاق و لم يفرّق فيما ذكر بين الأصل الوجودي و العدمي و من هنا يحكم بعدم جريان استصحابي الطهارة