بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٥٩
أن ترتّبه على المستصحب ليس شرعيّا و بعبارة أخرى ليس من أحكامه الشرعيّة و
إن كان حكما شرعيّا في نفسه و المعتبر في الاستصحاب كون الأثر الشرعي من
أحكامالمستصحب شرعا و من هنا قلنا في باب الاستصحاب كما ستقف على تفصيل
القول فيه بأنه لا يترتّب على استصحاب الشيء ملزوماته الشرعيّة فإنها و إن
كانتأحكاما شرعيّة بالنظر إلى أنفسها إلا أنها لما لم يكن من أحكام
المستصحب شرعا لم ينفع استصحابه في إثباتها فإن قلت
قد ذكر شيخنا العلاّمة في باب الاستصحابأن المستصحب إذا كان أمرا شرعيّا و
حكما جعليّا إلهيّا يترتّب على استصحابه جميع لوازمه من غير فرق بين
لوازمه الشرعيّة و غيرها و المفروض أن المستصحب في المقامشرعيّ فكيف يبتني
اعتباره على اعتبار الأصول المثبتة قلت
ما أفاده في باب الاستصحاب من عدم الفرق بين الآثار في المستصحب الشرعي و
إن كان مستقيما إلاّأنه مختصّ بما إذا كان الأثر الغير الشرعي ممّا يترتّب
واقعا على الحكم الشرعي بالمعنى الأعمّ من الظاهري و الواقعي كوجوب الإطاعة
عقلا المترتّب على إلزام الشارع منغير فرق بين إلزامه الواقعي و الظاهري و
أما ما يترتّب على وجوده الواقعي من الآثار الغير الشرعيّة فلا يمكن جعلها
بالاستصحاب و كلامه قدس سره في هذا البابو إن كان مطلقا إلا أنه لا مناص
عن تنزيله على ما ذكرنا لعدم معقولية الإطلاق في ذلك و ستقف على برهانه في
باب الاستصحاب فإن قلت
إذا لم يكنوجوب الإتيان بالأكثر من لوازم المستصحب بل الذي يلزمه كون
الواجب هو الأكثر فوجوب الإتيان به بعد تعيين الواجب إنما هو من حيث حكم
العقل بوجوبالإطاعة فهو ليس حكما شرعيّا بهذه الملاحظة و من المقرّر في
باب الاستصحاب على القول باعتبار الأصول المثبتة اشتراط ترتب أثر شرعيّ على
الواسطة و ليسهذا الشرط متحققا في مفروض البحث قلت
تعلّق الوجوب بالأكثر بمعنى كونه واجبا شرعيّا و تعيينه مستتبع لوجوب
إثباته عقلا فهو مترتّب على تعيينالواجب و لو في مرحلة الظّاهر لا أن يكون
مجعولا شرعيّا و هو ممّا لا غبار عليه كما عرفته عن قريب فتأمّل
و راجع ما ذكرنا في الجواب عن الاستدلال بالاستصحابفي طيّ وجوه القول
بوجوب الاحتياط في المقام هذا بعض الكلام في توضيح الوجه الأوّل الذي أفاده
في الجواب عن الاستصحاب في بيان حكومة أصالة البراءة على استصحاب الاشتغال في المقام
ثانيهما
أنه على تقدير الإغماضعما ذكر و تسليم عدم ابتناء الأصل المذكور على
اعتبار الأصول المثبتة لا يجوز التمسّك بالاستصحاب المذكور في المقام من
حيث حكومة أصالة البراءة الجاريةقبل الإتيان بالأقلّ و في زمان اليقين عليه
فإنا نفينا بمقتضى الأصل المذكور في ذاك الزمان وجوب الزائد و الأكثر و
رفعنا به الشك عما اشتغلت الذمة به فيالسابق فكيف يثبت في اللاحق فليس هنا
وجوب مردّد بين الأمرين بمقتضى الأصل المذكور حتى يثبت بالاستصحاب بعد
الإتيان بالأقل تعلّقه بالأكثر و ليس هذامن باب تعارض الاستصحاب مع أصل
البراءة و تقديمه عليه حتى يقال بأن المقرر في محلّه ورود الاستصحاب على
البراءة العقليّة لأن المفروض عدم جريان الاستصحابفي الموضع الذي يجري فيه
أصل البراءة و بعد جريانه يتعيّن التكليف به في مرحلة الظاهر فلا يبقى
تردّد حتى يجري الاستصحاب لاحقا و في موضوعه فأصالة البراءةالجارية في
السابق و إن لم يكن رافعا لموضوع الاستصحاب حقيقة لبقاء الشكّ في ماهيّة
المأمور به بالوجدان إلاّ أنّها رافعة له بحكم الشارع و من هنا حكمنابكونها
حاكمة عليه و رافعة لموضوعه بالتنزيل و الجعل لا بالوجدان و الحقيقة فإن قلت
إن تعيين الماهيّة المأمور بها و إنّها الأقل بأصالة البراءة الذيهو مبنى
حكومتها على الاستصحاب لا يتمّ إلا على القول باعتبار الأصول المثبتة و
المختار عند المصنف وفاقا للمحقّقين من المتأخّرين عدم جواز التعويل على
الأصولالمثبتة إذا لم يكن مبنى الأصل على الظنّ من غير فرق بين أصالة
البراءة و غيرها و قد صرّح قدس سره في طيّ الجواب الأول عن الاستصحاب
المذكور و التزم ببطلانه فكيفيجعل جوابا عن التمسّك به قلت
أوّلا إن ابتناء ما ذكره في الجواب الثاني من حكومة أصل البراءة على
الاستصحاب في خصوص المقام على تعيين الماهيّة بالأصلالذي يقتضي التعويل
على الأصول المثبتة بظاهره مبني على إرادة الإلزام على الخصم حيث إنه أراد
تعيين الماهيّة في ضمن الأكثر بالاستصحاب فيجاب عنه بأنه إذا بنيعلى
الأصول المثبتة تعيّن الماهيّة في ضمن الأقل بالأصل الحاكم على الاستصحاب
المذكور و ثانيا إن تحكيم أصل البراءة على الاستصحاب و المنع من جريانه لا
يتوقّفعلى القول بمساعدة أصل البراءة لتعيين الماهيّة و اعتباره حتى يبتني
على القول باعتبار الأصول المثبتة بل مجرّد حكم الشارع بعدم وجوب الأكثر
في مرحلة الظاهرقبل الإتيان بالأقلّ بمقتضى أصل البراءة حاكم على استصحاب
الأمر المردّد المقصود إثبات ما حكم بنفيه في السابق ظاهرا نعم لو ترتّب
حكم بالفرض على نفس بقائهبوصفه الترديدي من غير أن يريد إثبات وجوب الأكثر
به لم يكن إجراء البراءة مانعا من استصحابه لترتب خصوص الأثر المفروض هذا و
قد تقدم بعض الكلام فيمايتعلّق بهذا المرام في طيّ الأجوبة عن وجوه الخصم
فراجع إليه قوله
و قد عرفت الجواب عنه و أن الاشتغال إلخ(١)
أقول
لا يخفى عليك أن المراد مما أفاده هوالاشتغال المتحقّق بحكم العقل بمقتضى
الخطاب المتنجّز المتوجه إليه بمقتضى العلم الإجمالي لا التكليف الواقعي
النفس الأمري المردّد بين تعلّقه بالأقلّ أو الأكثرفإنه متعلّق بنفس الواقع
من حيث هو إلا أنه لا يقتضي بحكم العقل إلا الإتيان بالأقلّ على ما عرفت
تفصيل القول فيه قوله
قدس سره و أما الثالث إلخ(٢)
أقول
ما أفاده في المقام في غاية الوضوح فإن دليل الاشتراك لا يقتضي إلاّ اشتراك
الغائبين و المعدومين مع الحاضرين في مجلس الخطاب في التكاليف المتوجّهة
إليهمبعد دخولهم في موضوعهم الذي تعلّق الحكم المخصوص عليهم فيه و
باعتباره فإذا كان تكليفهم من حيث كونهم مسافرين القصر يحكم بأن تكليف
غيرهم القصرإذا سافر و إلا مطلقا و هكذا و هذا من غاية وضوحه لا سترة فيه
أصلا و لم يخالف فيه أحد جزما ضرورة أن دليل الاشتراك إنما يثبت الكبرى و
أما الصّغرى فلاشبهة في اختلافها بحسب حالات المكلّفين و لا خلاف فيه أيضا و
إنما خالف من خالف في خصوص المقام و استدل بدليل الاشتراك غفلة عن حقيقة
الحال