بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٧
ما توهمه السيّد أبو المكارم من قبح التكليف بما لا يطاق كان ما أفاده قدس سره صحيحا و سليما عن الإيراد فإن إمكان الترك يرفع موضوع القاعدةالمذكورة لكنّه توهّم أفسده قدس سره فيما سيأتي من كلامه فتدبّر و كذا ما أفاده بالنسبة إلى ما لا يطيقون لأنه إن أريد من التكليف الشاق التكليفبغير المقدور لم يكن فرق في قبحه عقلا بين ما كان مسبّبا عن اختيار المكلف و غيره كما برهن عليه في محلّه و إن زعم بعض التفصيل فيه علىخلاف التحقيق الذي بني الأمر عليه وفاقا للمحققين و إن كان المراد منه كما هو صريح قوله و المراد بما لا يطاق في الرواية ما لا يتحمّل عادة التكليفبالأمر الحرجيّ المتعسّر فلا قبح فيه أصلا عنده و عند المشهور كما بيّن في محلّه كيف و هو واقع في الشرعيّات في الجملة و إن زعم بعض مشيخة شيخنا خلافهفي عوائده متخيلا أنّ رفع الجرح عقلي و أن الواقع في الشرعيّات من التكاليف بالأمور العسرة كالجهاد و نحوه ليست من التكليف بالأمر الحرجيبعد ملاحظة زيادة الأجر و الثواب عليه فالحق أن نقول مع قبح التكليف عقلا بالأمر الحرجي مطلقا إنّ الرواية من أدلّة نفي الجرح شرعا كقوله تعالىما جعل عليكم في الدّين من حرج و قوله تعالى يريد اللّه بكم اليسر و لا يريد بكم العسر و نحو ذلك هذا و كذا يقال بالنّسبة إلى باقي التسعة فإنّ المؤاخذةعليه مما لا يحكم العقل بقبحه حتى في مورد الإكراه و الاضطرار فإن المراد من الأول ليس الفعل الصّادر عن إجبار بحيث يرتفع الاختيار عن المكرهبالفتح بل المراد به ما يوقعه المكره اختيارا خوفا من المكره بالكسر و لذا وقع التكليف به في الشرعيّات كما في الزناء و نحوها و من الثاني ليس الاضطرارالرافع للاختيار بل ما يختاره الفاعل لضرورة داعية إليه كأكل مال الغير و الميتة فيما لو انحصر التعيّش به أو التداوي بالمحرّمات على القولبجوازه و نحو ذلك و دعوى اقتضاء اللّطف تجويز ذلك على الحكيم تعالى و رفع المؤاخذة عنه كما ترى و كذا المؤاخذة على الجسد من دون إظهارو استعمال و كذا الوسوسة في التفكّر و على الطيرة ليست ممّا يحكم العقل بقبحها قطعا بل لم يتوهّمه أحد جزما هذا بعض الكلام في الحديث الشريفالمتعلق ببيان المراد منه من حيث إرادة خصوص الموضوع من الموصول في قوله ما لا يعلمون حتى لا يجوز الاستدلال به أو الحكم حتى يكون منأخبار المقام و محلّ البحث تحقيق متعلّق ببيان المراد من الحديث الشريف و نتبعه بالتكلّم في مواضع أخر متعلّقة ببيان المراد من الحديث الشريف تبعا لشيخنا قدس سره الأوّل أنّ الآثار والأحكام الشرعيّة المترتّبة على الأفعال بالمعنى الأعمّ من الترك لا يخلو الأمر فيها من وجوه ثلاثة لأنها إما مترتّبة بظاهر دليلها على الفعلاللابشرط أي الفعل من حيث هو من دون أخذ العمد و الذكر و الخطإ و النسيان و العلم و الجهل و نحوها فيه كما هو الغالب في أكثر الأحكام والآثار الشرعيّة المترتبة على أفعال المكلّفين و إمّا مترتبة على الفعل من حيث أخذ وصف التعمّد و الذكر و نحوهما فيه أي الفعل بشرط هذه الأوصافكالقصاص المترتّب على تعمّد القتل مثلا و الكفارة المترتّبة على الإفطار عمدا في نهار رمضان و بطلان الصلاة المترتّب على الصلاة في النجاسةمع العلم بها و هكذا و إما مترتبة على الفعل بشرط الخطإ و النسيان و الشكّ و نحوها من الأوصاف كالدية المترتبة على القتل الصادر خطأو سجدتي السهو المترتّبين على النقص أو الزيادة الصادرين سهوا أو الشكّ بين الأربع و الخمس بعد الفراغ عن السجدتين و رفع الرأس منهما و صلاةالاحتياط المترتبة على الشك في الركعات و هكذا ثمّ على القول بعموم المرفوع لجميع الآثار في الحديث الشريف المسوق لبيان الامتنانعلى العباد و حكومته على أدلّتها كدليل نفي الحرج و الضرر و نحوهما يحكم بحكومته على القسم الأول إذ هو الذي يقبل للشرح و التفسير و البيانو أما القسمان الآخران فلا تعرّض للحديث لبيان حالهما أصلا بل لا معنى له جزما إذ القسم الثاني منتف بانتفاء موضوعه في صورة عروضالحالات المذكورة في الحديث و القسم الثالث يثبت موضوعه بعروض الحالات المذكورة بحيث لا يكون له موضوع بالفرض إلا في صورة عروضالحالات فكيف يجعل الحديث شارحا له و موجبا لحمله على غير صورة عروض الحالات و إن هو إلاّ طرحه رأسا و المفروض ثبوته مضافا إلى ماعرفت من كونه خلاف معنى الحكومة و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا كما لا يخفى الثاني أن اللوازم و الآثار المترتبة على الأفعال تنقسمباعتبار آخر إلى أقسام فإنها إما أن تكون شرعيّة أو عقلية أو عادية و على الأول لا يخلو الأمر فيها إمّا أن يكون ترتّبها على الفعل ترتّباأوّليّا و محمولا له من دون توسيط أمر آخر و إما أن يكون ترتبها عليه بتوسيط أمر لازم عقلي للفعل أو عاديّ له و على القول بعموم المرفوع في الحديثإنما يحكم برفع خصوص المحمولات الشرعية التي حملت على الأفعال في الأدلّة الشرعيّة أولا و بالذات من دون توسيط أمر آخر فلا يحكم بعمومه لغيرالآثار الشرعيّة من العقليّة و العاديّة كما أنه لا يحكم بعمومه لما كان من الآثار الشرعيّة مترتبة عليها بواسطة أحدهما لأن الظاهر من رفعالشارع من حيث إنه شارع لآثار الفعل إنما هو رفع ما كان ثبوتها له بجعله و كان موضوعا لها بحسب جعله لا مطلقا نعم لو كان هناكأثر عقليّ أو عاديّ مترتّب على الأثر الشرعي المترتب على الفعل الذي حكم برفعه يحكم بارتفاعه قهرا من حيث ارتفاع موضوعه و هذا نظير ماسنذكره في باب الاستصحاب في جانب الإثبات من أن الثابت بأخباره هو جعل خصوص ما كان من الأحكام الشرعيّة المترتّبة على المستصحببلا واسطة في مرحلة الظاهر لا الآثار العقليّة و العادية و لا ما يترتّب عليهما من الآثار الشرعيّة إلا ما كان من اللوازم الغير الشرعيّة مترتّبا على