بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٤٨
و أشار إلى كذب الحكاية في آخر الأمر بقوله و الحاصل إلى آخره و أنت خبير
بأن كلامه في المعتبر نصّ في عدم التفصيل في أصل البراءة لو كان هو
المقصودمن استصحاب حال العقل كما ربما يستظهر منه و أمّا لو كان المراد
معناه المقابل لأصل البراءة كما هو الظاهر منه لأنه في مقام تقسيم
الاستصحابفقد جعل القسم الأول التمسّك بالبراءة لأنفسها فكلامه في هذا
التقسيم ساكت عن حكم أصل البراءة لأنه خارج عن المقسم و مقابل له حقيقةفإن
كلامه صريح في تقسيم الاستصحاب و إن تسامح في جعل عدم الدليل دليل العدم من
أقسامه فإنه بعد تقسيم مستند الأحكام في الفصلالثالث إلى خمسة أقسام
الكتاب و السنة و الإجماع و العقل و الاستصحاب و التعرض للكلام في الأربعة
قال و أما الاستصحاب فأقسامهثلاثة الأول استصحاب حال العقل إلى آخر ما
ذكره في الكتاب و إنما ذكر ما ذكره من القيد الراجع إلى التفصيل في عدم
الدليل دليل العدم الذيهو في مقابل القسم الأول و ذكر في ذيله أنه لو
استند في إثبات الإباحة إلى الأصل المذكور أي عدم الدليل دليل العدم جرى
فيهالتفصيل أيضا و هذا كما ترى لا تعلّق له بالتفصيل في باب البراءة و أما
كلامه في المعارج فينطبق على قوله في المعتبر في ذيل القسم الثاني و
منهالقول بالإباحة لعدم دليل الوجوب و الحظر فإن مراده من التمسّك
بالبراءة الأصليّة ما ذكره من بيانه بقوله فنقول لو كان ذلك الحكم ثابتاإلى
آخره و مع ذلك لا تعلق له بالتفصيل المحكيّ عنه أصلا و بالجملة التأمّل في
أطراف كلمات المحقق قدس سره سيّما قوله في آخر كلامه في المعارج المحكيّ
فيالكتاب يقتضي القطع بعدم تعرّضه لأصل البراءة و أن محلّه في الكتابين
عدم الدليل دليل العدم مع أن جعله عدم الدليل على الحكم دليلاعلى عدم الحكم
من جهة لزوم التكليف بما لا يطاق على تقدير ثبوته مع عدم الدليل لا تعلق
له بالتفصيل المذكور في عدم الدليل دليل العدمأيضا ثمّ
إن كان مراده جعل ذلك دليلا على نفي الحكم في مرحلة الواقع كما هو الظاهر
من كلامه فلا تعلّق له بباب البراءة أصلا و إن كان ماأفاده محل مناقشة من
حيث إن عدم الدليل على حكم الفعل لا يجعله غير مقدور و إن كان مراده جعل
ذلك دليلا على نفي التكليف في مرحلةالظاهر أي التكليف الفعلي كما استظهره
شيخنا قدس سره منه أمكن الاستدلال به في باب البراءة و إن لم يكن تامّا فإن
الدليل العقلي على نفيالتكليف الفعلي إنما هو حكم العقل بقبح العقاب من
غير بيان لا قبح التكليف بما لا يطاق على ما عرفته في محلّه فما زعمه
المحدث الأسترآباديفي تحقيق ما أفاده المحقق قدس سره مضافا إلى عدم
استقامته كما يظهر بالتأمّل فيما أفاده شيخنا قدس سره و عدم محصّل للعلم
العادي المذكور فيكلامه أجنبيّ عنه إذ النفي عند المحقّق سواء كان المنفي
الحكم الواقعي أو الفعلي مستند إلى قاعدة قبح التكليف بما لا يطاق و لا
يعقل التفصيلالمذكور و لا غيره من التفاصيل بناء على الاستناد إليها كما
هو ظاهر كما أنه لا يعقل التفصيل المذكور على تقدير الاستناد في باب
البراءةإلى قاعدة قبح العقاب من غير بيان كما أنه لا يعقل الفرق بين قولي
المخطّئة و المصوّبة على التقديرين أيضا نعم الفرق بين المذهبين أنّ
المصوّبةلا يقولون بثبوت الحكم الواقعي المشترك بين العالم و الجاهل و
المخطّئة يقولون بذلك إلا أن الفريقين متفقون على إناطة العقاب بالبيانو
أنه يقبح العقاب بدونه و إن كان هنا حكم واقعي في حال الجهل و هذا معنى نفي
الحكم الفعلي على المذهبين لما أسمعناك مرارا أنّ الحكمالفعلي ليس إنشاء
آخر من الشارع في قبال الحكم الشأني و إنما هو يعتبر من حكم العقل بجواز
المؤاخذة على المخالفة و عدمه فالشأنيّة و الفعليّةمن مراتب الإنشاء الصادر
من الشارع بالنظر إلى حكم العقل نعم عنوان الخطاب و الحكم و التكليف يتبع
عند بعضهم تنجّز الإنشاء الصادرمن الشارع فوجوده النفس الأمري عنده لا
يتّصف بالأوصاف المذكورة ما لم يحكم العقل بثبوت العقاب على مخالفته و كيف
ما كانفيما حكم العقل بقبح العقاب يحكم قطعا بنفي الحكم الفعلي لأنه يتبع
نفي العقاب حقيقة و هذا ملاك البراءة العقليّة لا غيره كما أنه ملاك
البراءةالشرعيّة أيضا و إن استفيد من أخبارها الإباحة الظاهريّة فإن الحكم
بالإباحة في مرحلة الظاهر يلازم نفي التكليف الفعلي أيضا نعم على
القولباعتبار البراءة من باب الظنّ استناد إلى الاستصحاب أو غيره يحكم
بنفي التكليف الواقعي ظنّا لكنه لا تعلّق له بالمقام لأنه يدخل
البراءةحينئذ في الأدلّة و يخرج من الأصول كما أنه على تقدير قول المحقق
المتقدم و بعض آخر ممن وافقه في ظاهر كلامه يكون من الأدلّة القطعيّة على
نفيالواقع استنادا إلى ما عرفت من قاعدة قبح التكليف بما لا يطاق فما
أفاده شيخنا قدس سره في الكتاب في ردّ المحدّث المتقدّم ذكره في كمال
الجودةفقد ظهر ممّا ذكرنا كلّه أن التفصيل المنسوب إلى المحقّق في باب
البراءة بل مطلقا لا أثر له في كلامه قوله
قدس سره نعم هذا القسم الثاني أعمّ موردامن الأوّل إلى آخره(١)
أقول
قد عرفت الإشارة إلى ما وقع من المحقّق قدس سره من التسامح في تقسيم
الاستصحاب بجعل عدم الدليل دليل العدم منأقسامه بإرادة مطلق الحكم على طبق
الحالة السابقة من الاستصحاب و إن لم يكن مستندا إليها بل إلى شيء آخر و
أما النّسبة بين الأصلين بحسبالمورد فهي عموم من وجه لجريان الأصل المذكور
في المسائل الاعتقادية و العمليّة دون الموضوعات الخارجيّة و جريان
الاستصحاب فيالأحكام الشرعيّة العملية بالمعنى الأعمّ من الأصوليّة
العملية و الفقهيّة و الموضوعات الخارجيّة دون المسائل الاعتقادية فغرضه
قدس سره من الحكم