بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٠٥
تقريب الأصل اللّفظي إلا أن هذا ليس بأولى من أن يقال إن الخطابات
بالاجتناب عن المحرّمات مطلقة إلى آخر ما أفاده و إن كان ربما يستظهر منه
في باديالنظر غير ما ذكرنا فتدبّر أمّا
الكلام في الموضع الثالث فملخص القول فيه أن ما يصلح مميّزا لموارد الشكّ
ممّا ورد شرعا في هذا الباب ليس إلاّ صحيحةعليّ بن جعفر بعد فساد حملها على
ما أفاده الشيخ قدس سره على ما عرفت كفساد حملها على كون المراد منها بيان
عدم وجوب الاحتياط في خصوص هذه الشبهةالمحصورة خروجا عن القاعدة المقررة
في الشبهة المحصورة كما استبعده قدس سره في الكتاب بقوله إذ يبعد حملها على
خروج ذلك إلخ أو مطلقا بانضمام عدم القول بالفصلبين أفراد الشبهة
المحصورة على ما زعمه القائل بعدم وجوب الموافقة القطعيّة في الشبهة
المحصورة بناء على أن الظاهر منها السؤال عن حكم خصوص الماء الذي فيالإناء
لا عن جميع أطراف الشبهة و المراد بالجواب بيان خصوص جواز استعمال الماء
أو طهارته فيما لم يعلم بإصابة الدّم له لا البناء على طهارة جميع الأطراف
الموجبللإذن في المخالفة القطعيّة بتقريب أن حملها على ما ذكرنا من
الضابطة لعدم وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة من حيث خروج ظهر الإناء عن
محلّ الابتلاءغالبا يوجب تبين الحال و رفع الاشتباه عن غالب موارده و إن لم
يوجب رفع الاشتباه عن جميع موارده فإنه بعد عرض موارد الاشتباه على مورد
الصحيحة يحكمبعدم تحقق الابتلاء فيما كان مساويا له من حيث الوضوح و
الخفاء و ما كان أجلى منه من حيث عدم الابتلاء نعم يبقى ما كان أخفى منه من
حيث تحقّق عدمالابتلاء و هو قليل في الغاية و إلى ما ذكرنا كله أشار قدس
سره بقوله إلا أن يقال إن المستفاد من صحيحة علي بن جعفر المتقدّمة كون
الماء و ظاهر الإناء إلى آخره في التنبيه الرابع من تنبيهات الشبهة المحصورة الذي يتوهّم الأمور
قوله
قدس سرهالرابع أن الثابت في كل من المشتبهين لأجل العلم الإجمالي بوجود الحرام إلى آخره(١)
أقول
لما كان هذا الأمر أهمّ الأمور في هذا الباب و قد اشتبه أمره على بعض
الأساطين منالمتقدّمين و غير واحد من المتأخرين و إن كان واضحا عند
المشهور فبالحريّ أن نبسط فيه الكلام حسبما يساعدنا التوفيق من الملك
العلام فنقول
إنّالحكم الشرعي المتعلّق بالنجس الواقعي أو الحرام الواقعي على أنحاء
فإنه قد يتعلق بهما من حيث تعلّقه بالفعل المتعلق بهما أوّلا و بالذات
كالحرمة المتعلّقة بفعل المكلّفالمتعلّق بالنجس و الحرام كحرمة أكلهما و
شربهما أو الانتفاع بهما أو التصرّف في الحرام كما في الغصب أو الصلاة
فيهما و لو بالحرمة التشريعيّة إلى غير ذلك و قد يتعلّق بفعلالمكلف
المتعلّق بالحرام مثلا بواسطة فعل آخر للمكلّف متعلق بالحرام كوجوب إقامة
الحدّ مثلا المتعلّق بالخمر من حيث الشرب المتعلّق به و قد يتعلّق بفعل
المكلّفالمتعلق بهما بواسطة أمر متعلّق بهما ليس من مقولة فعل المكلف أصلا
كوجوب الاجتناب المتعلّق بملاقي النجس بتوسّط الملاقاة التي ليست من مقولة
الفعلأصلا أمّا الأوّل
فلا إشكال في تنجّزه على المكلّف بعد العلم الإجمالي بوجود الحرام أو
النجس بين المشتبهين مثلا المقتضي في حكم العقل و الشرع لوجوب الاحتياطعن
جميع أطراف الشبهة على ما عرفت عند الكلام في أصل المسألة على المشهور الذي
قويناه في قبال بعض من خالفهم فيجب الاجتناب عن كلّ مشتبه بالحرام أو
النجس المعلومينإجمالا من باب المقدّمة العمليّة لتحصيل اليقين بالبراءة
بعد ثبوت الاشتغال بهما من جهة دفع الضرر المحتمل فيه و لو بالوجوب
الإرشادي العقلي فهذا الحكميسري من الحرام الواقعي إلى المشتبهين من باب
المقدّميّة و لو كان الحكمان مختلفين من حيث النفسيّة و المقدّميّة و من
حيث الشرعيّة و الإرشاديّة و من حيث الظاهريّةو الواقعيّة أما الأخيران فلا
إشكال بل لا خلاف في عدم اقتضائهما شيئا على المكلّف بمجرّد العلم بوجود
الحرام بل لا يعقل اقتضاؤهما له ضرورة لزوم الخلف منالاقتضاء كما هو واضح
على الأوائل فضلا عن الأواخر و منه يظهر أنه لا معنى لتوهّم اقتضائهما
الالتزام بهما ظاهرا عند ارتكاب أحد المشتبهين من باب المقدّمةالعلميّة فلا
معنى لإقامة الحدّ مثلا على من شرب أحد المشتبهين بالخمر بتوهّم وجوب
تحصيل العلم بإقامة الحدّ على من شرب الخمر ضرورة أن وجوب تحصيل العلم
إنّما هو بعدثبوت التكليف بمجرّد العلم الإجمالي بالحرام فإذا لم يثبت ذلك
على ما عرفت فلا معنى لإيجاب العقل تحصيل العلم المتوقف على الاحتياط من
جميع أطرافالشبهة فالمرتكب لأحد المشتبهين بالخمر كالمرتكب للمشتبه بالخمر
و مشكوكه بالشبهة المجرّدة في عدم جواز إقامة الحدّ عليه من غير فرق
بينهما من هذه الجهة أصلا و هذامعنى ما يستفاد من إفادات شيخنا قدس سره من
عدم جريان باب المقدّميّة بالنسبة إلى الآثار المترتّبة على فعل الحرام فإن شئت
قلت وجوب إقامة الحدّمثلا إنما هو على من شرب الخمر من المكلّفين و دخل في
هذا العنوان و مجرّد العلم بوجود الخمر بين المشتبهين لا يقتضي حصول تعلّق
هذا التكليف و وجوده فيالخارج و هو شرب المكلّف له فلا معنى لجريان
المقدّميّة و لا يعلم صدقه بالفرض على شرب أحد المشتبهين فلا محالة يتعيّن
الرجوع إلى أصالة عدم تحقّق موجبالحدّ كارتكاب الشبهة المجرّدة على ما
عرفت و هذا معنى ما قرع سمعك أن فعل الحرام بالنسبة إلى هذه الآثار من قبيل
الوضع فلا معنى للحكم بثبوتها من دونالعلم به حيث إن شرب الخمر مثلا سبب
في حكم الشارع لوجوب إقامة الحدّ على شاربه فإن علم بهذه العلامة الوضعيّة
وجب ترتيب أثرها عليها عند اجتماع الشرائطو إلاّ فيرجع إلى أصالة عدم وجود
السبب فيحكم بعدم المسبب فالقاتل لأحد المشتبهين بمهدور الدّم لا يجوز
قصاصه و إن كان معاقبا مطلقا أو عند المصادفةلقتل محقون الدم و هكذا
بالنسبة إلى سائر الآثار التي تكون من هذا القبيل نعم
لا إشكال في لزوم الالتزام بمقتضائهما عند ارتكاب كلا المشتبهينللعلم
بحصول متعلّقها حينئد لكنّه خارج عن محلّ الكلام هذا و قد يستدلّ للمدّعى
في كثير من الموارد و الأمثلة بأن الأمر فيه دائر بين المحذورين فإنه كما
يجب إقامةالحدّ على من شرب الخمر أو زنى بامرأة أو أوقب غلاما مثلا كذلك
يحرم إقامة الحدّ على من لم يشرب الخمر و لم يزن و لم يدخل بغلام ففي
ارتكاب أحد المشتبهين يدورالأمر بين المحذورين و هكذا في مسألة القصاص فيما
وجب و أمثالها من موارد الدوران و فيه ما لا يخفى فإن نتيجة ذلك جواز
ترتيب آثار فعل الحرام