بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٠٧
إلى الملازمة بين وجوب الاجتناب عن الشيء و ما يلاقيه فيدل على حكم المقام أيضا و دعوى ابتناء الرواية حينئذ على ثبوت الملازمة المختصّة بين الحكمين فيخصوص النجاسات لا مطلقا و إلا لزمه تخصيص الأكثر القبيح كما ترى نعم على القول بكون الأحكام الوضعيّة حتى الطهارة و النجاسة مجعولة أو أموراواقعيّة كشف عنها الشارع لم تدل الرواية على حكم المقام على تقدير حملها على ثبوت الملازمة بين نجاسة الشيء و نجاسة ما يلاقيه كما لا يخفى و المستظهرعند شيخنا قدس سره نفي الجعل بالنسبة إلى الأحكام الوضعيّة مطلقا كما يفصح عنه كلامه في الجزء الثالث من الكتاب و إن لم يستبعد الوجه الأخير بالنسبة إلى بعضهاكالملكية و الزوجيّة و أضرابهما هذا و لكن يمكن أن يقال إن المقصود من الرواية ليس بيان الملازمة أصلا و إنما الغرض منها كون الميتة من النجاسات و إلاّفأصل الحكم و هو تنجّس ملاقي النجس تعبّدا كان معلوما للسائل فالغرض إرشاد السائل إلى نجاسته فتدبّر هذا كله مع أن في الجواب الأوّل و هو ضعف الروايةسندا غنى و كفاية و كون الحكم المذكور فيها مسلّما بينهم لا يدلّ على تمسّكهم فيه بالرواية مع وجود العموم المسلّم عندهم بل ذكرها في كلماتهم ربما لا يدلّ عليه أيضافلعلّ الغرض تأييد العموم بها جوابان آخران عن الوجه الأوّل ينبغي التعرّض لهما و هنا جوابان آخران عن الوجه الأول سبقا ببالي القاصر ينبغي التعرّض لهما الأوّل أن الظهور المذكور مضافا إلى ماعرفت من تطرّق المنع إليه موهون بخروج غير النجاسات و المشتبهين بالنجس إذ لم يذهب أحد إلى وجوب الاجتناب كليّة عن ملاقي جميع المحرّمات حتى ملاقيأحد المشتبهين بالحرام إذا لم يكن نجسا كما هو المستظهر حتى الخصم فكيف يدّعي مع ذلك ظهور دليل وجوب الاجتناب عن الشيء على وجوب الاجتناب عمّايلاقيه مع القطع بعدم إرادته في أكثر الاستعمالات بل كلّها إلاّ نادرا الثاني أنه على فرض ظهور ما دلّ على وجوب الاجتناب عن الشيء على وجوبالاجتناب عما يلاقيه و عدم وهنه بما ذكر فإنما هو بالنسبة إلى غير المقام و أمّا المقام فيعلم بقصر دلالة الدليل على وجوب الاجتناب عن نفس المشتبهينليس إلاّ و الوجه فيه أنك قد عرفت أن الدليل على وجوب الاجتناب و الاحتياط في الشبهة المحصورة أمران أحدهما حكم العقل بذلك بعد تنجّز الخطاب وثبوت الاشتغال بالواقع المردّد من جهة العلم الإجمالي على ما عرفت شرح القول فيه ثانيهما حكم الشرع به من جهة الأخبار المتقدّمة و من المعلوم عدمدلالة شيء منهما على وجوب الاجتناب عن ملاقي المشتبه أما العقل فظاهر من حيث أن حكمه بوجوب الاجتناب عن كل مشتبه من جهة كونه من أطراف الشبهةو من محتملات المعلوم بالإجمال و لا يتحقق هذا المناط في الملاقي بالكسر قطعا و أما الشرع فلما عرفت من أن مفاد الدال من الأخبار على وجوب الاجتنابفي الشبهة المحصورة هو مفاد حكم العقل بذلك من دون زيادة و نقيصة فهي مؤكّدة لحكم العقل بذلك حقيقة أ لا ترى إلى قوله عليه السلام في المرسلة اتركواما لا بأس به حذرا عمّا به البأس نعم لو كان مفاده إثبات الحكم الشرعي الظاهري لوجوب الاجتناب عن كل مشتبه بحيث لم يكن ناظرا إلى حكم العقلأصلا على ما ذهب إلى بعض الأوهام كان الاستدلال به على حكم المقام مستقيما على تقدير الإغماض عما عرفت و دون إثباته خرط القتاد فإن قلت كيف يمنع حكم العقل بوجوب الاحتياط بالنسبة إلى الملاقي بالكسر مع أن مناط حكمه بوجوب الاحتياط عن المشتبهين متحقق بالنسبة إليه أيضا من حيثإن محلّ الكلام و البحث في ملاقي أحد المشتبهين إنما هو فيما تأثر بالملاقاة إذ لم يقل أحد بوجوب الاجتناب فيما لم يتأثر قطعا حتى في ملاقي النجس فضلا عن ملاقيالمشتبه و من المعلوم أن الأثر القائم بالملاقي بالكسر هو عين ما حكم به العقل و الشرع بوجوب الاجتناب عنه عند قيامه بالملاقى بالفتح و تحصّله فيه ومن المعلوم ضرورة عدم تأثير تعدّد المحل و اختلافه و تغيّره و تبدّله في حكم الحالّ فإذا حكم بوجوب الاجتناب عن الأثر القائم بالملاقي بالكسر من حيثكونه عين ما كان قائما بالملاقى بل من أجزائه حقيقة فيجب الحكم بوجوب الاجتناب عن محلّه أيضا لعدم تغاير حكم الحال و المحلّ في الشرع و مقتضاه كما ترىهو ثبوت الملازمة بين المتلاقيين في الحكم كما لا يخفى قلت مجرّد اختصاص النزاع و محلّ الكلام بصورة التأثّر لا يوجب الحكم بوجوب الاجتنابعن الملاقي بالكسر ضرورة اختصاص النزاع أيضا بما إذا لم يكن في الملاقي بالكسر ما يصدق عليه عنوان الملاقى بالفتح و إلا فلا إشكال و لا خلاف في الحكمبوجوب الاجتناب عنه سواء في المقام أو في ملاقي النجس أو المتنجّس و مجرّد التأثر لا يوجب صدق العنوان على الأثر القائم بالمتأثّر ضرورة ارتفاعالصدق كثيرا بتلاقي الأجزاء و افتراقها و انعدام العنوان الصادق عليها عند الاجتماع من جهة دخل الهيئة الاجتماعيّة في صدق العنوان و منهنا يختلف حكم الأجزاء عند الافتراق مع حكمها عند الاجتماع كثيرا كاختلاف الآثار الحسيّة و من هنا حكموا بأن بقاء الأجزاء الصغار من الغاية فيمحلّها في التطهير بالاستجمار لا ينافي تحقق الطهارة و إن بقاء اللون في المصبوغ بالمتنجّس بل النجس لا ينافي حصول الطهارة له بالتطهير مع أن المحقّقعند محققي الحكماء استحالة بقاء اللون مع انعدام العين القائم به رأسا من حيث استلزامه عندهم وجود العرض لا في موضوع من بقاء اللون فقطو هو محال و أن تفريق المال المغصوب و تجزيته يوجب انتقال العهدة و الضمان إلى القيمة في كثير من موارده إلى غير ذلك مما تسالموا عليه و قالوا به هذاما يقال في الجواب عن السؤال في النظر الأول في الإشارة إلى ضعف الجواب و السؤال عند النظر الثاني و لكن الذي يقتضيه النظر الثاني ضعف كل من السؤال و الجواب أمّا السؤال فلابتنائه على الغفلة عما هومحلّ النزاع و البحث فإن الكلام إنما هو في حكم الملاقي من حيث ملاقاته لما يجب الاجتناب عنه و أما الأثر القائم فيما اتفق فلا إشكال في وجوبالاجتناب عنه ما دام موجودا لكن لا يجب إزالته بالطرق الشرعيّة المقررّة في تطهير النجاسات حتى يقال إنه عين الالتزام بوجوب الاجتناب عن الملاقي