بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٥٠
و لا يعلم حصول البراءة من الواجب النفسي بفعل الأقل و منه يظهر فساد قياس المقام بالأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين فإن الأقل فيه واجب نفسيّ من غير أن يكون له ارتباطبالأكثر أصلا ثانيها استصحاب الاشتغال اليقيني بالطبيعة المردّدة بين الأقل و الأكثر حيث إنه لا يعلم بكون فعل الأقل رافعا له فيحتمل بقاؤه قال المحقق المحشيقدس سره في تقريب الاستصحاب إنه لا شكّ في اشتغال ذمّة المكلّف بتلك العبادة المعيّنة و حصول البراءة بفعل الأقل غير معلوم لاحتمال الاشتغال بالأكثرفيستصحب إلى أن تبيّن الفراغ انتهى كلامه رفع مقامه و مثل الاستصحاب المذكور استصحاب بقاء الوجوب و التكليف و استصحاب عدم حصول الواجب بعدالإتيان بالأقلّ و غيرهما ممّا يوهم جريانه في المتباينين ثالثها ما دل بظاهره على وجوب الاحتياط المختصّ بالشكّ في المكلّف به بل المقام على وجه و احتمالو إن استفيد منه حكم غيره كالصحيحة الواردة في جزاء الصيد و قد تقدم نقلها في الكتاب أو المحمول على الشكّ في المكلّف به بحيث يشمل المقام جمعا بينه وبين ما دل على البراءة و قد تقدّمت الطّائفتان في الكتاب أيضا رابعها ما سلكه بعض من تأخر و ركن إليه من أن الأحكام الشرعيّة لما كانت مبنيّة على المصالحو المفاسد الكامنة في الأفعال و معلولة لها حقيقة على ما استقر عليه رأي العدليّة من الإماميّة و المعتزلة فالمطلوب الأوّلي في كل واجب في الحقيقة هو تحصيلالمصلحة الموجبة لوجوبه إذ هو المقصود بالطلب و العنوان في الواجب و إن كان الأمر معلّقا في الظاهر بنفس الفعل إلاّ أنّا نعلم من جهة انطباق العنوان المطلوبحقيقة عليه فالواجب هو تحصيل تلك المصلحة النفس الأمريّة أوّلا و بالذات و يكون الأمر بالفعل من حيث كونه وصلة إليه و هذا معنى قولهم إن الواجباتالسمعيّة إنما وجبت لكونها ألطافا في الواجبات العقليّة و لو بالإجمال حيث إن العقل يحكم بلزوم ما أوجبه الشارع من حيث اشتماله على ما يجب تحصيله في حكمالعقل و إن شئت تقرير الدليل على معنى آخر لقولهم فقل إنه لا شكّ في كون العنوان في الواجب السّمعي الذي أوجب وجوبه كونه لطفا و مقرّبا إلى المستقلاّتالعقليّة التي يحكم العقل بها تفصيلا مع قطع النظر عن الأحكام الشرعيّة السمعيّة كردّ الوديعة و نحوه من حيث إن إيجاب فعل الواجبات تكميل النفوس الموجب للتنزّهعن القبائح و المنكرات العقليّة كما يدل عليه قوله تبارك و تعالى إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَن الفَحْشاءِ وَ الْمُنْكر فالواجب أوّلا هو تحصيل اللطف فإذا لم يعلمتحصيل المصلحة أو اللطف بفعل الأقل فيجب في حكم العقل الإتيان بالأكثر من حيث كونه محصّلا يقينيّا لهما ضرورة لزوم تحصيل المأمور به على سبيل الجزم واليقين و عدم جواز الاكتفاء باحتمال حصوله و لم يخالف فيه أحد من العلماء و العقلاء و سيجيء الاعتراف به من شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره في المسألة الرابعةفإن مرجع الدليل المذكور إلى رجوع الشبهة الحكميّة دائما إلى الشبهة الموضوعيّة بالاعتبار المذكور و إن كان الفرق بينهما من جهة أخرى و هي عدم تبيّنالقضيّة الظاهريّة الشرعيّة في الأولى و تبيّنها في الثانية خامسها ما سلكه بعض أفاضل مقاربي عصرنا لو عاصرناه في فصوله من أن دليل البراءة لا يثبت ماهيّةالمأمور به و لا يبيّنها و لا يعيّن كونها الأقل نظرا إلى عدم جواز التعويل على الأصول المثبتة مضافا إلى أن مفاده مجرّد نفي العقاب فيلزم للقول بالاحتياط من جهةاستقلال العقل بلزوم تحصيل المأمور به على سبيل القطع و اليقين ما لم يقم طريق ظاهريّ على تبيّنه و الفرق بين المقام و غيره ممّا علم فيه التكليف على سبيل الإجمالمع كون التكليف المتعلّق نفسيّا كما في الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين غير خفيّ على المتأمّل و ما ذكرناه و إن كان ملخّص كلامه إلا أن الأولى نقله بألفاظه و طوله قال قدس سرهبعد جملة كلام له في المسألة و نقل الخلاف فيها و الإشارة إلى ما ذكره فيها عند البحث في الحقيقة الشرعيّة ما هذا لفظه و نقول هنا توضيحا و تنقيحا إنّ أصلالبراءة و إن كان باعتبار عموم أدلّته قاضيا بنفي الوجوب الغيري عند الشكّ كالنفسي فيصحّ نفي وجوب الأجزاء و الشرائط المشكوكة للتوصّل بها إلى فعل الكلّ وللشروط إلا أن المستفاد من أدلته إنما هو مجرّد نفي الحكم لا إثبات لوازمه العادية ككون الماهيّة المجعولة معرّاة عن اعتبار ذلك الجزء أو ذلك الشرط فلا يصلح دليلا علىنفي الجزئيّة و الشرطيّة ليتعيّن به الماهيّة المخترعة كما هو الثمرة في الاستدلال بالأصل بل حينئذ قضيّة ثبوت الاشتغال بها وجوب الإتيان بهما تحصيلا لليقين بالبراءةو الفرق بين هذا الوجوب و الوجوب الذي نفيناه أوّلا هو الفرق بين وجوب مقدّمة الواجب و وجوب مقدّمة العلم به فاتّضح بما قرّرنا أن لا ثمرة يترتّب على نفي الوجوببالاعتبار الأوّل و حيث إن مرجع النزاع في جريان أصل البراءة في المقام و عدمه إلى جريانه فيه على وجه يترتب عليه الثمرة و عدمه فالمتّجه هو القول بعدم جريانه مطلقاو أما وجوب الجزء في ضمن الكلّ فلا سبيل إلى نفيه بالأصل لأنه في معنى نفي وجوب أحد المركّبين مع أن نسبة الوجوب إلى كل واحد منهما سواء و الفرق بين المقام وبين بقيّة موارد أصل البراءة حيث يجري فيها و لا يجري فيه أن البراءة من القدر المتيقّن من الاشتغال هنا لا يحصل بإتيان القدر المتيقّن بخلاف بقيّة الموارد فإنّالبراءة بفعل ما ثبت الاشتغال به لا يناط بحصول غيره في غير المقام على تقدير الاشتغال به في الواقع بخلاف المقام فإن البراءة بفعل البعض منوطة بفعل الباقيعلى تقدير الاشتغال به فيتوقف العلم بها عليه إذ لا علم بمطلوبية القدر المعلوم مستقلاّ و إنما المعلوم مطلوبيّة في الجملة إما مستقلاّ أو منضمّا و لا سبيل إلى تعيينالأوّل بأصالة عدم تعلّق الوجوب التبعي بالجزء أو الشرط المشكوك فيه لأن ذلك أصل مثبت و لا تعويل عليه عندنا و دعوى أن التكليف لا يتعلّق إلا بالقدر المتيقّنو إلا لزم التكليف بالمجمل و هو محال ممنوعة لأن المجمل الذي لا يجوز تعلّق التكليف به هو المجمل الذي لا سبيل إلى امتثاله و ظاهر أن المقام ليس منه و إلحاق الغائبين عنمجلس الخطاب بالحاضرين فيه في وجوب الاقتصار على ما ثبت لهم و بلغهم من البيان إنما يتمّ إذا وصل إليهم خطاب دال بظاهره على حصر أجزاء الماهيّة و شرائطها في أمورمعيّنة كما هو الغالب في حق الحاضرين كقوله صلى اللَّه عليه و آله صلّوا كما رأيتموني أصلّي و الكلام هنا مبنيّ على تقدير عدمه إذ المقصود إثبات حجيّة أصل البراءة و أصل العدم في المقام