بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٨٢
بالنسبة إلى حكم معيّن أو أحد الحكمين بحسب الواقع على وجه الترديد أو التخيير الواقعي أو الظاهري فنفس دليل وجوب الالتزام لا يقتضي في المقام الأخذبأحد الحكمين تخيير العدم قيام دليل على كون حكم الواقعة بحسب الظاهر التخيير بينهما في المقام كما قام عليه في الخبرين المتعارضين و الأخذ بأحدهمامن جهة الاحتياط و المقدميّة نظرا إلى العلم بثبوت أحد الحكمين في مرحلة الواقع مما لا يعقل له معنى أصلا فإنه يعلم بعدم مطابقته للواقع بلهو تشريع محرّم بالأدلة الأربعة و من هنا قال قدس سره و ليس حكما شرعيّا ثابتا في الواقع حتى يجب مراعاته و لو مع الجهل التفصيلي فحديث المقدّميّةأجنبيّ عن المقام في أن استفادة التخيير في المقام مما ورد في الخبرين المتعارضين فاسد و القول باستفادة حكم التخيير الظاهري في مفروض البحث ممّا ورد في الخبرين المتعارضين بتنقيح المناط من حيث إن حكم الشارعبالتخيير بين الخبرين من جهة توافقهما على نفي الثالث بالدلالة الالتزاميّة المعتبرة و المفروض في المقام العلم بعدم الثالث فلا بدّ من الحكم بمراعاتهبل المقام أولى بالملاحظة من مورد التعارض كما هو الظاهر و من هنا قال في أول الكتاب إنه يمكن استفادة المطلب من فحوى أخبار التخيير الواردةفي المتعارضين فاسد إذ من المحتمل قويّا كون مبناه على التعبّد الظاهري لا مراعاة ما ذكر من الدّلالة الالتزاميّة للخبرين على نفي الثالث فإن ذلك لايقتضي الحكم بالتخيير مطلقا بل مقتضاه الحكم بالتساقط بالنسبة إلى مورد التعارض و الرجوع إلى الأصل المطابق لأحدهما إن كان و إلاّ فالتخيير هذا معاحتمال كون مبناه على رعاية الحكم الشرعي الأصولي المتعلّق بكلّ من المتعارضين من حيث استجماعهما لشرائط الحجيّة و لما عجز المكلّف عن تصديقهما معالمكان التعارض فأوجب الشارع تصديق أحدهما كما هو قضيّة العقل أيضا لو لا حكم الشارع به من حيث رجوع الأمر في الحقيقة على هذا التقديرإلى تزاحم الواجبين بناء على حجية الأخبار من باب السببيّة لا الطريقيّة و القول به و إن كان ضعيفا عندنا على ما ستقف عليه في باب التعارض إلاّ أنّ احتمالهمانع عن تنقيح المناط و استفادة حكم المقام ممّا اتفقوا عليه في باب اختلاف المجتهدين في الرأي مع تساويهما من تخيير العامي في الأخذ بهما حيثإن فتوى المجتهد للعامي بمنزلة الخبر للمجتهد فيكون حكم الشارع بالتخيير من جهة رعاية أدلّة وجوب الأخذ بالفتوى لا الحكم الفرعي الواقعي فتدبّر لا يقال ما ذكر في حكم المسألة و إن كان موافقا لعمومات أدلّة البراءة إلا أن اتفاقهم فيما إذا اختلفت الأمّة على قولين بحيث علم دخولالإمام عليه السلام في إحدى الطائفتين على عدم جواز إحداث القول الثالث مطلقا معلّلا بإيجابه لطرح قول الإمام عليه السلام مع أنه ليس طرحا له بحسب العمل بقول مطلقيكشف عن عدم جواز القول بالإباحة فيما إذا اختلفت الأمّة بين الوجوب و التحريم لأنا نقول بعد تسليم اتفاقهم على ذلك مع أن بعضهم جوّز الرجوعإلى الثالث إذا اقتضاه الأصل مضافا إلى أن الظاهر من الشيخ قدّس سرّه القائل بالتخيير هو التخيير الواقعي الموجب لطرح قول الإمام عليه السلام على ما استظهره المحقّقمنه و أورد عليه بأنه لا ينفع القول بالتخيير فرارا عن اطراح قول الإمام عليه السلام حيث إنه مع اتفاقهم على أحد القولين بعد الاختلاف مستلزم لبطلان التخيير الذيحكم به الإمام فإنّ التخيير إذا كان حكما ظاهريّا يدور مدار الشكّ و التخيّر فلا يمنع من قيام القاطع على الحكم الرافع لموضوعه و إن لم يعقل الحكم بالتخيير الواقعيبين الحكمين لواقعة واحدة و من هنا ذكر في المعالم و تبعه غير واحد بأن مراده هو التخيير الظاهري و إن أخطأ في الحكم بعدم جواز الاتفاق على أحد القولين بعدالاختلاف نمنع من إرادتهم إطلاق القول بذلك حتى فيما لا يوجب الرجوع إلى الثالث الطرح من حيث العمل و إن كان التأمّل يشهد بإرادتهم إطلاق القولبذلك كما يظهر بالرجوع إلى كلماتهم حيث إن ظاهرهم كون الثالث طرحا للحكم الذي قال به الإمام عليه السلام و جعله حكم الواقعة و لا دخل له بالطرح العملي أصلاو من هنا أمر قدس سره بالتأمّل عقيب استظهار الطرح من حيث العمل من كلماتهم لا يقال كيف يجوز الالتزام بالإباحة في مرحلة الظاهر مع العلم بكونهامخالفة للحكم الواقعي الثابت للواقعة في نفس الأمر لأنّا نقول بعد النقض بالتخيير الظاهري في المقام على قول المشهور و التخيير في موارد تعارض الأخبارو موارد التسامح فيما لا يحتمل في الواقع إلا الوجوب و الإباحة و غير ذلك ممّا لا يخفى لا مانع منه أصلا فإنه إن كان من جهة التضاد بينهما فممنوع عندهم و منهنا يحكم في الظاهر كثيرا مّا مما يكون مخالفا للواقع عند الله تبارك و تعالى و إن كان من جهة إيجابه طرح الواقع فقد عرفت أنه لا يوجبه عملاو لا التزاما و إن كان من جهة عدم مساعدة دليل الإباحة فهو ليس وجها آخر يتمسّك به للمنع في قبال دليل البراءة و قد أسمعناك شمول دليلهاللمقام أيضا هذا حاصل ما يقتضيه تحريره قدس سره في المقام في أن الحق ما قرره قدس سره في أول الكتاب من عدم جريان أصالة الإباحة هنا و لكنّ الحق ما أفاده قدس سره في أول الكتاب من عدم جواز الرجوع إلى البراءة و الحكم بالإباحةلا لما أفاده في المقام من انصراف أدلّتها اللفظيّة إلى غير المسألة المفروضة من دوران حكم الواقعة بين الوجوب و التحريم حتى يمنع منه و عدماستقلال العقل بعد تجويز ورود الالتزام بأحد الحكمين من الشارع كما قال به المشهور و إن لم يساعده دليل فلا بد من التوقف و عدم الالتزامبحكم ظاهريّ من حيث عدم الدليل عليه و المفروض عدم توقّف الموافقة بحسب العمل عليه لكون الحكمين توصّليّين و إن هو إلاّ نظير دورانالأمر بين الوجوب و الاستحباب في العبادات حيث إنه يكفي العلم بالرجحان المشترك في قصد القربة و لا يتوقف على العلم بالخصوصيّة حتى يقالبأن عدم قيام الدليل على وجوب الالتزام بأحد الحكمين عند العقل و إن جوّز وروده كاف في حكمه بالبراءة و إلا لم يحكم بالبراءة في مورد من المواردبل لما أفاده هناك من أن ترخيص الشارع و الحكم بإباحة ما تردّد أمره بين الوجوب و التحريم في الشبهات الحكميّة قبيح في حكم العقل من حيث رجوعه