بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٤
أيضا فإن العلم بوجوب الاجتناب عن محتمل التحريم علم بحرمته في مرحلة
الظاهر فليس مجهولا على الإطلاق إلا أن هذا التوجيه ربما ينافي ظاهر
ماأفاده من إناطة الجهل بالحكم الواقعي مع أن إيجاب الاحتياط قد يمنع كونه
موجبا للعلم بالنهي و لو في مرحلة الظاهر قوله
قدس سره و لكن الإنصاف أنّ غايةالأمر أن يكون إلى آخره(١)
أقول
الآية في سورة الأنعام و إلقاء هذا التعبير إلى النبيّ صلى اللّه عليه و
آله في مقام الردّ من جهة كونه أقرب إلى قبول طاعتهم لا من جهة عدمجواز
الالتزام بالحرمة مع عدم وجدانها في حكم عفو لهم فالرد مبني على التلازم
بين عدم وجدان النّبي صلى اللّه عليه و آله و الحرمة بحسب نفس الأمر و
النّكتة في العدولما عرفت فلا دلالة للآية على المدعى و أمّا ما أفاده
بقوله مع أنّه لو سلّم دلالتها إلى آخره فربما يناقش فيه بأن الفرق ثبوت
العلم الإجمالي في أمثال زماننابالاجتناب يخرج الكلام عن محل البحث كما هو
ظاهر فتدبّر قوله
قدس سره و لعل هذه الآية أظهر إلى آخره(٢)
أقول
ما أفاده في وجه الأظهريّة يرجعإلى ما سيذكر مفصّلا من أن الأخباري لا
يحكم بوجوب اجتناب و إنما يترك الفعل لاحتمال كونه حراما فيلتزم بالترك و
لا يلتزم بحكم و سيجيء ما يتوجّهعليه من أنه لا مناص للأخباري عن الحكم
في مرحلة الظاهر اللهم إلا أن يكون المراد من الحرمة في السّابقة الحرمة
الواقعية و هذا ليس محلاّ لإنكارالأخباري فإنهم لا يجوّزون الحكم بالحرمة
الواقعيّة أيضا فتأمّل قوله
قدس سره و الإنصاف ما ذكرنا من أن الآيات المذكورة إلى آخره(٣)
أقول
الإنصاف أن تنزيل الآيات المذكورة على ما أفاده قدس سره في معناها من إثبات
المعذوريّة فيما لا يكون هناك بيان أصلا و لو بعنوان العموم حسبماهو قضية
العقل في باب البراءة فيكون الآيات مؤكدة لحكم العقل فيثبت الأصل في
المسألة و لا تكون من أدلّتها لا يخلو عن مناقشة ثمّ إن هذا علىتقدير
تسليم دلالة أخبار الاحتياط على وجوبه شرعا ظاهر في مطلق محتمل الإلزام أو
خصوص محتمل الحرمة و أمّا على تقدير كون مفادها مطلقالطلب القدر المشترك
الشرعي أو الإرشادي أو خصوص الإلزام الإرشادي في محتمل العقاب و الهلاكة
الأخرويّة فلا يثبت بها على الأوّل ماينافي دليل البراءة أصلا كما لا يخفى
كما أنها مورودة بالنسبة إليه مطلقا على الثاني فيكون حالها حال حكم العقل
في باب دفع الضرر المحتمل كماستقف على تفصيل القول فيه فلا بد من حملها على
ما لا يجري فيه دليل البراءة من صور العلم الإجمالي فلا بد أن يكون مراده
قدس سره من تماميّة أدلّةالاحتياط و دلالتها هو المعنى الأوّل في دلالة حديث ما لا يعلمون على البراءة فيما لا نصّ فيه
قوله
قدس سره فإن حرمة شرب التتن مثلا ممّا لا يعلمون فهي مرفوعة عنهم و معنى رفعها كرفع الخطإ و النسيان(٤)
أقول
ما أفاده في تقريب دلالة الصحيحة على المدّعى يتم على أحد وجهين أحدهما أن
يريد من الموصول فيما لا يعلمون خصوص الحكم المجهول ثانيهماأن يريد منه
المعنى الأعمّ من فعل المكلّف الذي هو الموضوع و من الحكم بناء على جواز
إرادتهما معا و على الأول يختص بالشبهات الحكمية و على الثانييعمّها و
الشبهات الموضوعيّة كما أنه على تقدير إرادة خصوص الموضوع يختص بالشبهات
الموضوعيّة و لا يجوز الاستدلال بها على المدّعى كماأنه مبني على أحد
الوجهين في المقدّر أحدهما جميع الآثار ثانيهما المؤاخذة من حيث كونها
الأثر المناسب على البيان الذي ستقف عليه و نتعرّضله بعد ذلك فلا ينافي
تقدير ما يقتضي المؤاخذة كإيجاب الاحتياط و نحوه من حيث كونها أمرا غير
شرعيّ هذا و لكن قد يتوهّم أن تقريب الدّلالةلا يتوقّف على تقدير بالنّسبة
إلى قوله ما لا يعلمون بعد إرادة الحكم من الموصول فإن تقدير جميع الآثار
أو خصوص المؤاخذة بالنسبة إلى أخواتهمن فقرات الرواية إنما هو من جهة
دلالة الاقتضاء و لزوم الكذب على تقدير حملها على ظواهرها و هذا المحظور
غير متوجّه بالنسبة إلى قولهما لا يعلمون على هذا الفرض لأن رفع الحكم
الشرعي كإثباته شرعا باختيار الشارع و جعله فلا يلزم هناك كذب على تقدير
إرادة الظاهرمنه و مجرد إرادة الخلاف من أخواته بالقرينة العقليّة الصارفة
لا يوجب إرادته منه إذ ليس فيه إلا التفكيك في السّياق و لا يقاوم
ظهورهعلى تقدير اعتباره و كونه لفظيا الظهور المذكور هذا و لكنك خبير
بفساد التوهم المذكور لأن المراد من رفع الحكم إن كان رفعه بحسب
الواقعبحيث يكون الحكم الواقعي الثاني مرفوعا عن الجاهل و مختصا بالعالم
به فهو مناف لنفس الرواية مضافا إلى استلزامه للدور و التصويب ونحوهما من
المحذورات و إن كان رفعه بحسب الظاهر و الفعلية و التنجّز فهو راجع إلى ما
ذكره لا محالة لما أسمعناك مرارا عند الكلام في بيانحقيقة الحكم و أقسامه
أن التنجّز و الفعلية من مراتب الحكم الواقعي بالنظر إلى استحقاق المؤاخذة
عليه فيرجع الأمر بالأخرة إلى رفع المؤاخذة و إيجابالاحتياط المقتضى لها
كما لا يخفى في الاحتمالات و الوجوه التي في حديث ما لا يعلمون
قوله
قدس سره و يمكن أن يورد عليه بأن الظاهر من الموصول فيما لا يعلمون إلى آخره(٥)
أقول
توضيح ما أفاده مناختصاص الموصول بالشبهات الموضوعيّة و عدم شمول الحديث
الشريف للشبهات الحكمية و بيان الوجه في شموله لها و تنقيح القول في
ذلكيحتاج إلى شرح الكلام في محتملات الرواية و وجوه معانيها فنقول
إنه لا إشكال في عدم جواز إرادة الظاهر من نسبة الرفع إلىالتسعة من حيث
لزوم الكذب على الشارع بعد فرض وجود التسعة بالوجدان في هذه الأمة فلا بد
أن يكون المراد بمقتضى العقل بالنظر إلىدلالة الاقتضاء خلاف الظاهر منها
إما بالمجاز في الكلمة أو الحذف و التقدير أو التصرّف في النسبة و الأمر
العقلي بأن يريد من نسبة الرفع إليهارفع غيرها مما يأتي من الوجوه كما هو
الشأن في أمثال ذلك كنسبة النقض إلى المتيقن في الأخبار الواردة في عدم
جواز نقض اليقين بالشك على