بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٦١
النهي عنه فتقريرهم فيه كاف و أمّا الشبهة في طريق الحكم فاجتنابها غير
ممكن لما أشرنا إليه سابقا من عدم وجود الحلال البيّن فيها و تكليف مالا
يطاق باطل عقلا و نقلا و وجوب اجتناب كل ما زاد على قدر الضرورة حرج عظيم و
عسر شديد و هو منفي لاستلزامه وجوب الاقتصارفي اليوم و الليلة على لقمة
واحدة و ترك جميع الانتفاعات إلاّ ما استلزم تركه الهلاك و الاعتذار بإمكان
الحمل على الاستحباب لا يفيد شيئالأن تكليف ما لا يطاق باطل بطريق الوجوب و
الاستحباب كما لو كان صعود الإنسان إلى السماء واجبا أو مستحبّا فإن
كليهما محال من الحكيم انتهىكلامه رفع مقامه في بيان هذا الوجه و غرضه
ممّا ذكره كما ترى بعد تسليم العموم لأخبار وجوب الاجتناب بالنظر إلى اللفظ
صرفها عنه بالقرينةالعقلية و النقليّة و لا ريب في توجّه ما أفاده في
الكتاب عليه ضرورة أن البحث في المسألة على ما عرفت الإشارة إليه فيما كان
المورد خاليا عما يقتضيالحلّيّة أو الحرمة من الأمارات و الأصول
الموضوعيّة أو الحكمية المسلّمة عند الفريقين و بعد وضعه لا يبقى إلاّ
موارد قليلة يرجع فيها إلى الأصلالمذكور و لا يلزم منه حرج فضلا عن
التكليف بما لا يطاق هذا و أمّا ما أفاده قدس سره في ردّ ما ذكره الشيخ
المحدّث رحمه الله أخيرا و منها أنه قد ثبت وجوباجتناب الحرام عقلا و نقلا
و لا يتمّ إلى آخره بقوله أقول الدليل المذكور أولى بالدلالة إلى آخره فهو
و إن كان مستقيما إلا أن مراده على ما يقتضيه ظاهر كلامه كما لايخفى هو
الاستدلال بما دلّ على وجوب إطاعة النواهي الشرعيّة من الأدلّة النقلية و
العقليّة لا نفس أدلّة المحرّمات لأن مفادها نفس التحريم ليس إلاّو يتوجّه
عليه مضافا إلى النقض بالشبهة الحكميّة الوجوبيّة و إلى ما أفاده في الكتاب
ما أسمعناك مرارا من أن دليل وجوب الإطاعة لا يثبت تكليفاعلى ذمّة المكلّف
بحيث يعاقب على مخالفته و يجري قاعدة الشغل و حديث المقدّميّة بالنسبة
إليه التنبيه الثالث
قوله
قدس سره فالأولى الحكم برجحان الاحتياط فيكل مورد إلى آخره(١)
أقول
مراده قدس سره من الحرج هو البالغ منه حدّ الاختلال كما هو ظاهره و ما
أفاده في وجه دفع كون التحديد بذلك عسر ما من أن دليل الحرجينفي التكليف
الإلزامي بالأمر الحرجي لا التكليف الندبي فهو ظاهر لا سترة فيه أصلا لأن
الحكمة في رفع التكليف العسري و الموجب له مع تفويتالمصلحة فيه على
المكلّف هو التدارك بالتسهيل و التسهيل مفروض في التكليف الندبي فلا مسوّغ
لرفعه هذا مضافا إلى ظهور الأدلّة بنفسهافي نفي الإلزام نعم يكفي رعاية عدم
وقوع المكلّف من غاية الاحتياط في الموضوعات في الوسواس فإن الشيطان يغتنم
الفرصة و يتوسّل كثيراما من طريق الإطاعة إلى إلقاء المكلّف في الهلكة و
اللّه العاصم التنبيه الرابع
قوله
قدس سره الرابع إباحة ما يحتمل الحرمة غير مختصّة إلى آخره(٢)
أقول
ما أفاده قدس سره منعدم اشتراط الرجوع إلى الإباحة في الشبهة الموضوعيّة
بالفحص ممّا لا إشكال بل لا خلاف فيه بل الأمر كذلك في الرجوع إلى الأمارات
و الأصولمطلقا في مطلق الشبهة الموضوعيّة إلاّ في الشبهة الموضوعية
الوجوبية في بعض جزئيّاتها عند بعض على ما ستقف عليه في الخاتمة عند الكلام
فيشروط البراءة و يدلّ عليه مضافا إلى إطلاق ما دلّ على الحكم فيها من
العمومات و الخصوصات جملة من الأخبار الظاهرة في نفي اشتراط الفحصمنها
قوله عليه السلام في ذيل رواية مسعدة بن صدقة و الأشياء كلها على هذا حتى
يستبين لك غيره أو تقوم به البيّنة و العقل حيث إنه يجوز الرجوع إلى
الأصلقبل الفحص في الشبهة الموضوعيّة بخلاف الشبهة الحكميّة هذا بعض
الكلام في ذلك و ستقف على تفصيله و شرح القول فيه في الخاتمة إن شاء الله في دوران حكم الفعل بين الوجوب و غير الحرمة و ذكر جملة من الأمثلة
فيما اشتبه حكمه الشرعي الكلي من جهة عدم النص المعتبر
قوله
قدس سره ثم ذكر الأمثلة للأقسام الثلاثة إلى آخره(٣)
أقول
الأولى نقل بقيّة العبارة بعينها قال بعد قوله لاستفاضة الأخبار بالنهي عن
السؤال عند الشراء منسوق المسلمين ما هذا لفظه ما يحتمل تطرق احتمال
النجاسة أو الحرمة إليه كأخبار الجبّة و أخبار الفراء جريا على مقتضى سعة
الحنفية كما أشار إليه في صحيحة البزنطيالواردة في السؤال عن شراء جبّة
فراء لا يدرى أ ذكيّة هي أم غير ذكيّة يصلى فيها حيث قال عليه السلام ليس
عليكم المسألة إن أبا جعفر عليه السلام كان يقول إن الخوارجضيّقوا على
أنفسهم لجهالتهم و إن الدين أوسع من ذلك إذا عرفت ذلك فاعلم أن الاحتياط قد
يكون متعلّقا بنفس الحكم الشرعي و قد يكون متعلّقا بجزئياتالحكم الشرعي و
أفراد موضوعه و كيف كان فقد يكون الاحتياط بالفعل و قد يكون بالترك و قد
يكون بالجمع بين الأفراد المشكوك فيها و لنذكر جملة منالأمثلة ليظهر منها
ما قلناه فمن الاحتياط الواجب في الحكم الشرعي المتعلّق بالفعل ما إذا
اشتبه الحكم من الدليل بأن تردّد بين احتمال الوجوب و الاستحبابفالواجب
التوقف في الحكم و الاحتياط بالإتيان بذلك الفعل و من يعتمد على أصالة
البراءة يجعلها هنا مرجّحة للاستحباب و فيه أوّلا ما عرفت منعدم الاعتماد
على البراءة الأصليّة في الأحكام الشرعيّة و ثانيا أن ما ذكروه يرجع إلى أن
اللّه تعالى حكم بالاستحباب لموافقته البراءة الأصليّة و منالمعلوم أن
أحكام اللّه تعالى تابعة للحكم و المصالح المنظورة له تعالى و هو أعلم و
منه ما إذا حصل الاشتباه في الحكم من جهة تعارض الدليلين على وجه يتعذّرفيه
الترجيح بينهما بالمرجّحات المنصوصة فإن مقتضى الاحتياط التوقف عن الحكم و
وجوب الإتيان بالفعل متى كان مقتضى الاحتياط ذلك فإن قيلإن الأخبار في
الصورة المذكورة قد دلّ بعضها على الإرجاء و بعضها على العمل من باب
التسليم قلنا هذا أيضا من ذلك فإن التّعارض المذكور مع عدمظهور مرجّح لأحد
الطرفين و لا وجه يمكن الجمع به في البين ممّا يوجب دخول الحكم المذكور في
المتشابهات المأمور فيها بالاحتياط و سيأتي ما فيه مزيدبيان لذلك و من هذا
القسم أيضا إلى آخر ما حكاه عنه في الكتاب و هو كما ترى صريح في ذهابه إلى
وجوب الاحتياط في مفروض البحث قول المحدّث ثمّ