بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٤٣
العقلي مع أن قوله إن مقتضى الاستصحاب إلخ الذي هو بمنزلة الجواب الآخر لا
يجامع معه قطعا بل لا بد من أن يراد منه وجه آخر من الوجوه المذكورة إذ مع
تسليمجريان الاستصحاب في نفس الحكم العقلي إغماضا لا يحتاج إلى ضمّ شيء
كما هو ظاهر إلى غير ذلك من المناقشات قوله
بل هنا أولى لأن الخطاب هنا تفصيلامتوجّه إلى المكلفين فتأمل إلخ(١)
أقول
ما أفاده دام ظله من أولوية هذه المسألة بوجوب الاحتياط فيها من تلك
المسألة مبني على ما زعمه بعض من الفرقبينهما من جهة وصول الخطاب التفصيلي
إلى المكلف في المسألة فيحكم العقل بوجوب الاحتياط فيها من جهة تبيّن
الخطاب و العلم به تفصيلا و هذا بخلافالمسألة السابقة فإن الحاصل فيها
العلم بتعلّق التكليف بأحد الموضوعين فلا علم تفصيلا بالخطاب و التكليف
فيمكن المنع عن وجوب الاحتياط فيها بهذهالملاحظة لكنك خبير بضعف هذا الفرق
و التوهّم بل فساده لأن العلم التفصيلي بالخطاب مع إجماله و عدم تبيّن
معناه لا يجدي في حكم العقل بوجوب الاحتياطعلى تقدير اعتبار العلم التفصيلي
بالحكم في حكم العقل بوجوب الاحتياط لأن الحاصل من هذا الخطاب المجمل ليس
إلا العلم بوجوب أحد الفعلين كالسببالموجب للعلم بوجوب أحدهما في المسألة
الأولى فإن قلنا بكفاية العلم الإجمالي بوجوب أحد الفعلين المتنافيين في
إلزام العقل بوجوب الاحتياط كما هوالحق و عليه المحققون فلا يعقل الفرق بين
المسألتين لأن اختلاف سبب العلم لا يكون فارقا في نظر العقل قطعا و إن لم
نقل بكفايته فلا يعقل الفرق بينهما أيضافالفرق فاسد على كل تقدير فإن شئت
قلت إن بيانية اللفظ إنما هو باعتبار تبيّن مدلوله و كشفه عن المراد و
دلالته عليه لا باعتبار ذاته فإذا فرض إجمالهو عدم دلالته إلا على وجوب
أحد الفعلين فلا يعقل الفرق بينه و بين غيره مما يكشف عن وجوبه و هذا مع
وضوحه قد وقع التصريح به في مواضع من كلماتشيخنا دام ظله و من هنا أمر
بالتأمّل في الفرق المذكور في جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة إذا اقتضت المصلحة ذلك
قوله
و دعوى قبح توجيهه على العاجز عن استعلامه إلخ(٢)
أقول
لما كان ما أفاده بقوله و خروجالجاهل لا دليل عليه إلى آخره المبني على
منع قبح تأخير البيان عن وقت الخطاب خارجا عن محل الكلام التجأ إلى منع قبح
تأخير البيان عن وقت الحاجة فيما كان المكلّفقادرا على الفعل و لو
بالاحتياط إذا اقتضته المصلحة و هذا و إن كان خلاف ما يقتضيه كلمات الأكثر
في ظاهر النظر إلا أنه مما لا اعتبار عليه أصلا لاستقلالالعقل بجوازه و
فقد دليل من الشارع على منعه و يمكن أن يقال إن حكمهم بقبح تأخير البيان عن
وقت الحاجة إنما هو من حيث إيجابه لتفويت المطلوب عنالمخاطب و نقض الغرض
من تشريع الأحكام و هو غير لازم في المقام لفرض قدرة المخاطب على إتيان
المكلّف به بالاحتياط فلا ينافي ما ذكرنا لما ذكروه من قبح تأخيرالبيان عن
وقت الحاجة و القول بأن الاحتياط موجب لقاء معرفة الوجه و تميز الواجب عن
غيره و هو معتبر في صحة العمل مع التمكّن قد عرفت فساده في مطاويكلماتنا
السابقة كالقول بمنافاته لاعتبار قصد الوجه مع ما عرفت مرارا و ستعرف من
إمكان قصد الوجه في موارد الاحتياط كقصد القربة فيما يؤتى به احتياطاهذا و
لكن يمكن أن يقال إن ما ذكر و إن كان حقا لا محيص عنه إلا أنّ من يقول
باعتبار قصد الوجه لا يلتزم بكفاية القصد الإجمالي هذا مع أن تأخير البيان
موجبلاختفاء الأحكام الواقعيّة المؤدّي إلى اندراسها و هو مناف لما دلّ
على وجوب صونها و حفظها و إن لم يوجب مخالفتها من حيث العمل مع إمكان
الاحتياطكما هو المفروض فتأمل قوله
و لكن التأمّل في كلام بعض عدم ظهوره إلخ(٣)
أقول
قد يناقش فيما أفاده من الاستدراك بأن الموضوع لنفي الاستبعاد من وجوب
الاحتياطفي كلامه يقين المكلف بأمر لا يقين المخاطب به و هو أعمّ من
المخاطب فيشمل مفروض البحث مع أن موضوع البحث في المسألة على ما يصرّح به
إذا كان إجمال الخطاب لمن خوطببه فالتحقيق موافق للمختار غاية الأمر عدم
تحقّق المسألة في حقّنا على القول بعدم شمول الخطاب للمعدومين هذا مع ما
قيل من أن الالتزام بوجوب الاحتياط علىالمخاطبين بالخطاب الحمل يوجب
الالتزام بوجوبه على غيرهم و إن لم يشملهم الخطاب من حيث إن خصوصيّة
المخاطبة لا مدخل لها من حيث إيجابها العلم يتعلّق التكليفبالواقع المجهول
على المكلّف و المفروض حصوله لغير المخاطبين أيضا و القول بمدخليّة
المخاطبة في هذا الحكم من حيث هي عدم لما اتفقوا عليه من الاشتراك في
التكليفاللهمّ إلا أن يقال إن مدخلية المخاطبة في نظر المحقق إنما هي من
جهة دلالتها على تعلّق التكليف بالواقع الموجب لسقوط قصد التعيين في
الإطاعة و هذا المناطغير موجود في حق غير المخاطب في زعمه و إن كان متحققا
بالنسبة إلى جميع التكاليف من حيث امتناع أخذ العلم مطلقا فيها بحسب وجودها
النفس الأمري و تحقق العلم الإجماليالموجب لتنجّزها عند العقل في الفرض و
ما دل على اشتراك التكليف بين الكل لا ينافي القول باعتبار قصد التعيين في
الإطاعة مطلقا إلا فيما دلّ الدليل علىسقوطه و إن كان القول به فاسدا من
جهة أخرى فإن شئت قلت إن اشتراك التكليف بقسميه من الواقعي و الظاهري بين
الكل لا ينافي الالتزام بوجوب الاحتياطعلى من خوطب بالمجمل مع الالتزام
بعدم وجوبه على غيره مع الالتزام بمدخليّة خصوص المخاطبة في ذلك من حيث
إيجابها لدفع اعتبار قصد التعيين في صحة العبادة في الإشارة إلى الأخبار الدالّة على التخيير في المتعارضين
قوله
فالمشهور فيه التخيير إلى آخره(٤)
أقول
ما دلّ على التخيير في تعارض الخبرين على أقسام أحدها
ما دلّ على التخيير مطلقا كما هو مدلول أكثرها ثانيها
ما دلّعلى التخيير بعد فقد جملة من المرجّحات ثالثها
ما دلّ على التخيير بعد فقد كثير من المرجّحات و عدم موافقة أحدهما للاحتياط كالمرفوعة كما أن ما دل على الاحتياطأيضا على أقسام أحدها
ما دل على مطلوبية الاحتياط في مطلق الشبهة الشامل لصورة التعارض ثانيها
ما دل عليه في خصوص المتعارضين بعد فقدأكثر المرجّحات كالمقبولة بناء على
إرادة لزوم الاحتياط من الأمر بالإرجاء و لو بترك الفتوى بمضمون أحد
المتعارضين التخيير ثالثها
ما دل على الترجيح بالاحتياطفي مورد وجوده كالمرفوعة و مقتضى القاعدة هو
الحكم بوجوب الاحتياط في المسألة كالمسألتين المتقدّمتين مع قطع النظر عن
الأخبار بعد فرض رجوع التعارض