بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٤٩
بتعميم مورد الثاني إنما هو لدفع توهّم كونه أخصّ مطلقا من الاستصحاب موردا
لا لبيان كون الاستصحاب أخصّ منه مطلقا و إن كان الأصلالمذكور لا دليل
عليه عندنا مع دعوى الإجماع عليه في كلماتهم إلا إذا أفاد القطع بالعدم فإن
جرى في مورده الاستصحاب حكمنابمقتضاه و إلاّ أعرضنا عنه فيرجع إلى أصل آخر
لكنه كلام آخر لا تعلّق له بالمقام قوله
قدس سره الثاني مقتضى الأدلة المتقدّمة إلى آخره(١)
أقول
لا يخفى عليك أن هذا الكلام لا تعلق له بخصوص المسألة بل هو جار في جميع
موارد البراءة فإنك قد عرفت في أول المسألة أن عدّ أصلالبراءة في الأصول
العمليّة مبني على ما هو التحقيق من عدم إناطته بالظن بالواقع عقلا و شرعا
شخصا و نوعا و أن مفاده القطع بعدمالعقاب و الإلزام في مرحلة الظاهر و إن
كان صريح صاحبي المعالم و الزبدة قدس سرهما إناطته بالظنّ حيث أبطلا الرجوع
إليه في مقابل الخبر بأنه لا يحصلمنه الظن مع قيام الخبر الواحد الجامع
للشروط على خلافه بل هو الظاهر من الأكثرين نظرا إلى تقسيمهم الاستصحاب إلى
حال العقل و إلى حالالشرع و مصيرهم إلى إناطة الاستصحاب بالظن بل صريح
غير واحد منهم في باب البراءة جعل المستند فيها استصحاب البراءة بل المراد
منالتمسّك بالبراءة الأصليّة المدّعى عليها الإجماع في كلام المحقق هو ذلك
كما هو واضح إلا أنه ستقف في الجزء الثالث على عدم إفادة الاستصحابالظنّ
بقسميه أولا و عدم دليل على حجيّته ثانيا و إنّما المسلّم عندنا الإجماع
على البراءة في مواردها لا الإجماع على العمل بالظن الحاصلمنها على تقدير
تسليمه فانتظر الكلام في أنّ حسن الاحتياط من حيث ذاته و نفسه أو من جهة سعادة فاعله
قوله
قدس سره الثالث لا إشكال في رجحان الاحتياط إلى آخره(٢)
أقول
الكلام في هذا الأمر و إن تعلّق من جهة بالمسألةالكلاميّة إلا أنه لمكان
ترتّب بعض الثمرات الفقهيّة عليه عنونه في المقام و الكلام في المقام قد
يقع في نفس الاحتياط و قد يقع في الأمر المتعلّقبه أمّا نفس الاحتياط فلا
إشكال بل لا خلاف في رجحانه و حسنه لاستقلال العقل بذلك و يكشف عنه الأوامر
الشرعيّة المتعلّق به في الشريعة بل في جملةمن الأخبار التصريح بما يستفاد
منه رجحانه الذاتي إنما الكلام في أن حسنه و استحقاق المدح عليه من حيث
كشفه عن صفة السعادة في الفاعلالمحتاط و أنه في مقام إطاعة المولى فلا
يكون الفعل أو الترك المتحقق به الاحتياط حسنا و إنما هو كاشف عن صفة في
الفاعل فالمدح فاعليّ فلايكون هنا استحقاق للثواب فإن المدح على الفعل
ملازم له لا المدح مطلقا و لو رجع إلى الفاعل على ما حقق في مسألة التحسين و
التقبيح أومن حيث ذاته و نفسه فإذا عنون به الفعل أو الترك يعرض عليهما
عنوان يوجب حسنهما فيلزمه استحقاق الأجر و الثواب عليهما صريح كلام شيخنافي
المقام و مواضع أخر من كلماته الثاني و إنّ الالتزام باستحقاق المحتاط
الثواب على الاحتياط عقلا لا يلازم الالتزام باستحقاق التجرّيالعقاب على
المتجرّي و هو لا يخلو عن غموض بل تأمّل في بيان أنّ أوامر الاحتياط إرشادية أم مولوية
و أمّا
الأمر المتعلّق به و طلبه فلا ينبغي الإشكال في كون طلبه العقلي إرشاديّا
محضابل هو الشأن في جميع الأحكام العقليّة لأن حكمه أينما وجد إرشادي صرف
غاية الأمر كونه في المقام و في باب الإطاعة و المعصية أوضح منحيث إن
المطلوب حقيقة عنوان في الغير كما هو ظاهر و أما الأمر و الطلب المتعلّق به
شرعا فهل هو إرشادي محض كالطلب العقلي أو له جهةمولويّة أيضا فيثاب على
إطاعته كسائر الأوامر الندبيّة الشرعيّة المولوية فيه وجهان كما في الكتاب
من ظاهر الأمر بعد فرض عدم إرادة الوجوبفإنه يقتضي كون الطلب مولويّا فإنه
الأصل في الأوامر الصادرة من الشارع بل مطلق الموالي من غير فرق بين الأمر
الإلزامي و غيره و منه يظهر أنقوله بعد فرض عدم إرادة الوجوب ليس من
القيود الظهور المذكور بحيث لا يكون ظاهرا في الطلب المولوي على تقدير
إرادة الوجوب بل هوبيان لما هو المفروض من الحكم بعدم وجوب الاحتياط في
الشبهة الحكميّة التحريميّة و الوجه فيما ذكرنا من الأصل على القول بكون
الأمر مجازافي الطلب الإرشادي كما قيل أو منسلخا عن معنى الطلب رأسا و
مستعملا في الأخبار كما زعم ظاهر و أمّا على ما هو الحق و عليه شيخنا قدس
سرهكما أوضحناه في محلّه من كونه حقيقة في الطلب الإرشادي أيضا فلأن صدور
الطلب الإرشادي من المولى العالي المطاع يحتاج إلى تخليةنفسه من المولوية
فيتوقف على ملاحظة زائدة حقيقة فتدبّر نعم
هنا مناقشة فيما أفاده من جهة أخرى حيث إن المفروض عند استعمال
الأوامرالمتعلقة بالاحتياط في الأخبار المتقدّمة في الطلب القدر المشترك و
خصوصيّة الاستحباب لا بد أن تستفاد من دليل آخر فكيف يتمسّك بظهورلفظ الأمر
في الطلب الندبي المولوي لكن يدفعها أن الطلب القدر المشترك المستفاد منها
أيضا يمكن أن يكون إرشاديّا و يمكن أن يكون مولويّافإذا استفيد الندب من
الخارج في مفروض البحث فيحكم بكونه مولويّا فتدبّر و من جهة بعض الأخبار
الظاهرة في أن مطلوبية الاحتياط منجهة خاصية مترتّبة على ذاته و هي صيرورة
نفس المكلّف أطوع للشارع لا أن يكون من جهة مجرّد كونه عنوانا في غيره و
مقدّمة له و من أن الظاهرمن أكثر الأخبار الواردة في باب الاحتياط بعد
التأمّل فيها كون الأمر به من جهة كونه عنوانا في غيره و مقدمة له فيكون
مؤكدة للطلب العقليلا أن يكون الغرض منه التأسيس فيكون حاله حال الأمر
المتعلّق بالإطاعة كتابا و سنّة من حيث كونه مؤكّدا لحكم العقل بالإطاعة و
كالأمرالمتعلق بالإشهاد و الكتابة و التوبة و غيرها من الأوامر الشرعيّة
التي يعلم كون المقصود منها التوصّل إلى ما يترتّب على فعل المأمور به بحيث
لا