بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٠
العقل و في أصالة البراءة من حيث حكم الشرع و منها أن التكلم في أصالة
الإباحة من حيث الحكم الواقعي و في أصالة البراءة من حيث الحكم الظاهريو
منها أن التكلم في أصالة الإباحة من حيث الحكم الشرعي الظاهري و في أصالة
البراءة من حيث الحكم بمجرّد نفي المؤاخذة و العقاب من غير أنيستتبع حكما
شرعيّا و لو في مرحلة الظّاهر إلى غير ذلك مما ذكروه من وجوه الفرق بينهما و
الحقّ ما عرفت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنافي الجزء الأول من التعليقة
من كون أصالة الإباحة قسما من أصالة البراءة و مما ذكرنا يظهر الفرق بين
أصالة الحلّ و أصالة البراءة أيضا فإنّهامن أقسام أصالة البراءة أيضا و
الفرق بينها و أصالة الإباحة أنها تستعمل في مقابل احتمال الحرمة في
الشبهات الموضوعيّة و أصالة الإباحةتستعمل في قبال احتمال الحرمة في
الشبهات الحكمية فتدبّر الكلام فيما يكون الشك في أصل التكليف
قوله
قدس سره و صور الاشتباه كثيرة و هذا مبني على اختصاص التكليف بالإلزام إلى آخره(١)
أقول
أما كثرة صور الاشتباه فلأن الدوران بين التحريم و غير الوجوب من الأحكام
الثلاثة على ما عرفت الإشارة إليه قد يعتبر ثنائيّاكالتحريم و الإباحة أو
التحريم و الكراهة أو التحريم و الاستحباب و قد يعتبر ثلاثيّا و صوره أيضا
ثلاثة و قد يعتبر رباعيّا و له صورة واحدة و كذلكدوران الأمر بين الوجوب و
غير التحريم من الأحكام الثلاثة الباقية و لما كان المقصود بالبحث في جميع
صور الدوران التي عرفتها معرفة حالهامن حيث البناء على البراءة و نفي
الحكم الإلزامي في مرحلة الظاهر و البناء على وجوب الاحتياط و رعاية احتمال
الحكم الإلزامي لم يجعل لكلّ صورةعنوانا مستقلا لعدم الفرق بينها من الجهة
المقصودة بالبحث و إن كان بينها فرق من جهة أخرى كما في دوران الأمر بين
الحرمة و الكراهةمثلا أو دوران الأمر بين الوجوب و الاستحباب فإنه لو فرض
هناك حكم مترتب على مطلق مرجوحية الفعل ترتّب على الأول كما أنّه لو فرض
هناكحكم مترتب على مطلق رجحانه ترتّب في الثاني لكون كل منهما معلوما
بالفرض و إن لم يثبت بالبراءة عن التحريم الكراهة في الأول و بالبراءة عن
الوجوبالاستحباب في الثاني فيجمع بين ترتب آثار القدر المشترك في الصورتين
و نفي الخصوصيتين فيهما و أمّا ما أفاده بقوله و هذا مبني إلى آخره فهو
غير محصّل المرادفإن ما أفاده من اختصاص التكليف بالإلزام إن أراد منه
الاختصاص عند العلماء فقد اتفقوا على تعميمه بالنسبة إلى جميع
الأحكامالخمسة حتى الإباحة و إن أراد منه الاختصاص بحسب اللغة و العرف
العام فهو مبنيّ على كون الحكم في المقام مترتّبا في جميع الأدلّة
اللفظيّةكتابا و سنة على لفظ التكليف و هو و إن كان كذلك بالنسبة إلى بعض
الآيات و جملة من الأخبار التي ستمرّ عليك إلاّ أن الأمر ليس كذلكعلى
الإطلاق و لا ينفع كون لفظ التكليف واقعا في موضوع البعض و إن كان الظاهر
من لفظ الكلفة في اللغة و العرف الإلزام فعلا أو تركامع أنه لا حاجة إلى
هذا الظهور عند التحقيق لأن المشتمل على لفظ التكليف ظاهر في الإلزام
لاقترانه في أكثره بما يكون دليلا عليه أ لا ترى إلىقوله تعالى لا يكلف
اللّه نفسا إلا وسعها و نحوه فإنه بقرينة لفظ الوسع ظاهر في نفي التكليف
الإلزامي كما هو ظاهر و أما ما أفاده من اختصاصالخلاف بين العلماء في
البراءة و الاحتياط بما هناك احتمال الإلزام فهو متعين ظاهرا و ليس محلا
للترديد إذ المستفاد من كلماتهم كأدلّة الطرفيننقلا و عقلا اختصاصه به كما
يعلم من الرجوع إليها و التأمّل في أدلّة القولين لأن حكم العقل بالبراءة
مبنيّ على قاعدة قبح العقاب من غيربيان و دفع العقاب المحتمل و الأدلة
النقلية أكثرها صريحة في ذلك و بعضها ظاهر فيه كما ستقف عليها لأنّ جملة من
أخبار البراءةفي بيان إثبات الطلق و الحليّة في موارد احتمال النهي و
الأمر و أخرى ظاهرة في نفي المؤاخذة و العقاب على ما لا يعلم و كذا أخبار
الاحتياطظاهرة في إثبات الحكم عند احتمال التهلكة فلا معنى مع ذلك لتعميم
محل البحث فإن شئت قلت بعد القطع بجواز كل من الفعل و التركلا يحتاج
اختيار أحدهما إلى البناء على حكم خاصّ بل ينفى كل من الخصوصيّات المحتملة
بالنّسبة إلى الأحكام المترتبة عليها بأصل العدم ففيدوران الأمر بين
الاستحباب و الإباحة مثلا يحكم بجواز الفعل قطعا و أما الحكم المترتب على
خصوص الاستحباب فيفي بالأصل بل الحقنفي الإباحة الخاصّة أيضا بالأصل فيما
فرض هناك حكم مترتّب عليها نعم في دوران الأمر بين الاستحباب و الكراهة
التعبديّين لو فرض فيالشرعيّات يمكن الحكم بجريان التخيير كدوران الأمر
بين الوجوب و التحريم التعبّديين فتأمّل و لو قال عند عدم احتمال الحكم
الإلزامي حكمهيعلم من الرجوع إلى الأصول و القواعد بعد استظهار اختصاص
النزاع في المسألة بما كان هناك احتمال الإلزام فعلا أو تركا أو فعلا و
تركا كان أولىمما أفاده في تحرير المقام كما لا يخفى وجهه و المراد من
المستحب و المكروه في العبارة هما باعتبار عنوانهما فلو أبدلهما بالاستحباب
و الكراهةكان أولى هذا و لكن ظاهر المحقق القمي قدس سره في القوانين تخصيص
التكليف بالإلزام و لذا خصّ محلّ الكلام بموارد وجود احتماله و قال
فيالفصول بعد نقل ما عرفته عن القوانين و لعلّه ناظر إلى ما قيل من أن
التكليف مأخوذ من الكلفة و معناه الإلقاء في المشقة و لا يصدقعلى غيرهما و
ضعفه ظاهر لأن ذلك معنى التكليف لغة و أمّا في الاصطلاح فهو الأعم من ذلك
إلى أن قال و كان المتداول في كلامهم استعمالأصل البراءة في نفي الوجوب و
أصل الإباحة في نفي التحريم و الكراهة و التعميم أولى بالمقام لصلوح اللفظ
له بالمعنى الذي ذكرنا مع اشتراك