بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٣٦
عن الواقع فيما جوّز ترك غيره كما هو ظاهره في غير موضع من هذا الجزء من
الكتاب على خلاف ما استظهرناه منه في الجزء الأول من الكتاب و اخترناه في
هذا الجزء و الجزءالأول من التعليقة من حيث إن المجوز لإذن الشارع هو
ملاحظة المصلحة فيه من غير توقف على جعل غير المأذون بدلا عن الواقع حتى
يلزمه ترتيب آثار الواقع عليهفي مرحلة الظاهر بل إنما يحكم العقل بوجوب
إتيانه من حيث كونه من أطراف الشبهة كما كان يحكم به قبل إذن الشارع في ترك
غيره لكنّه كما ترى كلام آخر لا تعلّق لهبالجواب عن السؤال فإنه كلام في
أصل عنوان إذن الشارع لا في عدم منافاته لحكم العقل بوجوب الاحتياط في مورد
ثبوته و وقوعه بأيّ عنوان كان كما لا يخفى في أن الواجب في المقام الاحتياط الكلّي و أدلّة البراءة غير جارية فيه
قوله
و مما ذكرنا يظهر عدم جواز التمسّك في المقام بأدلّة البراءة إلى آخره(١)
أقول
لما أثبتنا في طيّ ما قدّمناه لك كون قضيّة الأصل بعد تنجّز الخطاب
بالواقع وجوب الاحتياطو تحصيل الموافقة القطعيّة بإتيان تمام محتملات
الواقع في المقام و أن القائل بخلافه لا بدّ له من إقامة الدليل عليه من
جانب الشارع الدال على اكتفائه عن الواقع فيمرحلة الظاهر ببعض محتملاته و
أنه ليس ممّا يتوهّم دلالته عليه إلا ما دلّ على البراءة عموما عند عدم
العلم بالحكم الشرعي تعرّض لبيان عدم صلاحيّته للدلالة عليهمتفرّعا ذلك
على ما فرغ عن ثبوته من حرمة المخالفة القطعيّة من حيث إن إجراءه بالنسبة
إلى كل مشتبه بخصوصه موجب لطرح العلم الإجمالي رأسا و هو معمنافاته لما
بنى عليه في المقام الأوّل و لحكم العقل مناف لنفس الأخبار من حيث إيجابه
لطرح المعلوم و إجرائه بالنسبة إلى أحدهما المعيّن مع عدم المعيّنموجب
للترجيح من غير مرجح و هو محال و إجراؤه بالنسبة إلى أحدهما لا على التعيين
لا يتحمّله الأخبار بعد خروج المشتبهين منها على ما عرفت شرحه في مطاويما
قدّمناه لك فليس هنا ما يرفع موضوع حكم العقل بوجوب الاحتياط و هذا كما
ترى لا سترة فيه أصلا و قد نبّهنا عليه في غير موضع من كلماتنا السابقةو
نبّه عليه شيخنا دام ظلّه أيضا في مطاوي كلماته السابقة إنما الكلام فيما
أفاده في المقام من دلالة الأخبار مفهوما على وجوب الاحتياط في مورد العلم
الإجماليبضميمة حكم العقل و كون كل من المشتبهين معلوم الوجوب ظاهرا و من
باب المقدّمة العلميّة و إن لم يكن معلوم الوجوب واقعا و في مرحلة ذاته
لعدم التنافي بين الأمرينفيخرج عن منطوق الأخبار من حيث إن مقتضاه إثبات
البراءة في غير المعلوم مطلقا و لو في مرحلة الظاهر و أمّا من الحكم بأنّ
شمولها للواحد المعيّن المعلوم وجوبه إلىآخر ما أفاده فإنه قد يناقش فيه
أوّلا بأن حكم الشارع بوجوب الاجتناب في معلوم الحرمة و الارتكاب في معلوم
الوجوب كترخيص الارتكاب في معلوم الحلّيّة ليسحكما تأسيسيّا من الشارع
وراء جعل الحرمة و الوجوب للواقع و إنّما هو إرشاد إلى حكم العقل و تأكيد
له فيرجع الأمر إليه لا محالة و إنما الغرض من أخبار البراءةهو تأسيس ما
أثبت فيها في جانب المنطوق على تقدير دلالتها على الحكم الظاهري الشرعي
فليس الغرض منها بيان تعيين هذا على تقدير تسليم دلالة التعليقبالقيد و
الوصف في نفسه على المفهوم و الانتفاء عند الانتفاء و إن نفي السعة في جانب
المفهوم عين الضيق و إلاّ فللنظر فيما أفاده وجه آخر غير ما ذكرنا و ثانيا
بأن ما أفاده من عدم التنافي بين عدم وجوب الشيء في مرحلة الظاهر لنفسه و
وجوبه ظاهرا لغيره و من باب المقدّمة العلميّة كعدم التنافي بين عدم وجوبه
واقعالنفسه و وجوبه واقعا لغيره كما في المقدّمات الوجوديّة للواجبات
الشرعيّة و إن كان ممّا لا يعتريه ريب و شكّ و إن كان هناك كلام فيما هو
خارج عمّا أفاده من اجتماعالوجوب النفسي و الغيري في شيء واحد من جهتين
بأن يجعل الشارع بعض الواجبات النفسيّة مقدّمة لغيره كالإسلام الذي هو واجب
لنفسه و شرط في صحّةالعبادات فيصير مطلوبا من حيث ذاته و من حيث
المقدّميّة على وجه يرجع إلى التأكيد كاجتماع عنوانين من الوجوب النفسي في
شيء واحد لا إلى اجتماع المثلين أو الضدّينو التحقيق في محلّه إلا أنّ ما
أفاده من ورود المفهوم بضميمة حكم العقل على المنطوق ممّا لا محصّل له حيث
إن المنطوق على تقدير دلالته على الإذن في نفسه كما هوالمفروض في بيان هذا
الوجه يرفع موضوع حكم العقل في باب المقدّمة العلميّة هذا مع ما في معارضة
مفهوم الحديث لمنطوقه مع تفرّعه عليه ما لا يخفى على الفطنفلا بد من
التمسّك بذيل الوجه الأول في كلامه الراجع إلى عدم دلالة أخبار البراءة على
حكم صورة وجود العلم الإجمالي بالخطاب المنجّز اللّهم إلا أن يكون مراده
منالوجه الثاني استكشاف ذلك أيضا من حيث إن شمولها للمقام لما كان موجبا
للتعارض و منافيا لثبوت المفهوم فلا بدّ من الحكم بعد الشمول فتأمل في أن كلام المحقّق القمّي لا يبتني على التّصويب
قوله
فإنّالتحقيق أن الذي ثبت علينا بالدليل إلى آخره(٢)
أقول
لا يخفى عليك أن مراد المحقق القمّي قدس سره مما أفاده في المقام من حصر
التكليف فيما ادّعى إليه الطرق الظنيّة فيجب تحصيله منباب المقدّمة فلا
تكليف بالواقع النفس الأمري حتى يجب تحصيله بالعلم إن أمكن أو بالاحتياط إن
لم يمكن ليس ما ربما يتوهمه الغير المتأمل في أطراف كلامه من كون
التكليفالواقعي الواقع في الشرعيات تابعا لما أدّي إليه الطرق الظنيّة
فيورد عليه بأنه كيف يجامع القول بالتخطئة مع أنه جعل هذا المعنى أولى
بالثبوت على مذهب أهلالحق من التخطئة في الكلام المتعقب بالكلام المزبور
بل ما يقتضيه النظر الأولى في كلامه من حصر التكليف الفعلي الذي هو مناط
الإطاعة و العصيان و الثوابو العقاب عند العقل فيما أدّي إليه الطرق
الظنيّة فالتكليف الشأني الواقعي الصادر من الشارع في نفس الأمر متعلّق
بنفس الواقع إلا أنّه ليس منجّزا على المكلّفبمجرّد ثبوته النفس الأمري ما
لم يساعد عليه الأمارات الظنيّة فهو أشبه كلام بكلام القائل بحجّيّة الظّن
بالطريق نعم
فيما أفاده من أولويّة ثبوت هذا المعنىعلى القول بالتخطئة تأمل ظاهر بل
الظاهر في النظر تعيّن ذلك على القول بالتصويب إذ لا واقع عليه إلا ما أدّي
إليه الطرق الظنّية نعم على تقدير إرادة الحكم الظاهريمن التكليف لا بدّ
من ابتنائه على القول بالتخطئة فلا يناسب أولوية الثبوت أيضا ثمّ إن الوجه
فيما أفاده قدس سره و الحامل له على ذلك هو ما يستفاد من مطاويكلماته و
بني عليه في غير موضع منها من أن الذي يحكم به العقل و عليه بناء العقلاء
في أمورهم هو وجوب دفع الضرر المظنون لا المحتمل و الموهوم فلا يجب دفعه
حتّى